تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
أشار به إلى ارتباطه بما قبله وأنه كالدليل عليه قوله فإنه أي التنكيس مشتمل على الطمس حيث عرض له ضعف البصر في الأكثر بل زال البصر في البعض والمسخ حيث غير صورته الحسنة وزال القدرة والقوى وهذا مسخ في الجملة والاشتمال بالنظر إلى مطلق الطمس والمسخ فلا إشكال وأشار به إلى أن اختيار هذا من بين الأدلة الدالة على القدرة على الطمس والمسخ لاشتماله عليهما . قوله : أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن على معنى أن القرآن ليس بشعر لأن الشعر كلام موزون مقفى على سبيل القصد والقرآن غير مقفى ولا موزون وليس معناه من جنس ما يقصده الشعراء بشعرهم من التخيلات يعني قوله :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
[ يس : 69 ] كناية تلويحية عن كون القرآن ليس بشعر فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس شاعر لأن الآية رد لقولهم هو شاعر وذلك أنهم ما سمعوا منه نشأ بين ظهرانيهم ما ينسىء عن الشعر ولا نسبوه إلى الشاعرية أصلا أي وما جعلنا تعليمنا القرآن له ذريعة إلى تعلم الشعر حتى يكون شاعرا فإذا لم يكن تعليم القرآن ذريعة إليه لا يكون القرآن شعرا ولا يكون هو شاعرا فالباء في قوله رحمه اللّه
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
[ يس : 69 ] بتعليم القرآن للاستعانة وذلك أن من يمارس الدواوين والأشعار ربما يستعين به على قرض الشعر وإذا لم يكن القرآن من الشعر في شيء فكيف يستعين به عليه قال العلماء في بيان نظم الآي أي قوله تعالى :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ
[ يس : 65 ] الآية خاتمة لبيان أحوال المعاد وكالتخلص إلى ذكر أحوال المكذبين من قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتقريعهم وتوبيخهم وهو قوله :
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ
[ يس : 66 ] فلو أرادوا أن يمشوا في الطريق المألوف لم يستطيعوا
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ
[ يس : 67 ] مسخا يجمدهم على مكانهم ومن تكاذيبهم قولهم في القرآن وفي من أنزل إليه أنه شعر وشاعر حتى رد عليهم بقوله :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
[ يس : 69 ] إلى قوله :
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ
[ يس : 70 ] وهذا المعنى يلمح إلى ما افتتح به السورة من قوله :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ يس : 6 ، 7 ] قال الراغب الشعر معروف والجمع أشعار قال اللّه تعالى :
وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها
[ النحل : 80 ] أشعارها أثاثا وشعرت أصبت الشعر ومنه استعير شعرت كذا أي علمت علما في الدقة كإصابة الشعر وقيل وسمي الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري صار في التعارف سما للموزون المقفى من الكلام والشاعر للمختص بصناعته وقوله تعالى حكاية عن الكفار بل افتراه بل هو شاعر مجنون وكثير من المفسرين حملوه على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفى حتى قالوا ما جاء في القرآن من كل لفظة يشبه الموزون من نحو قوله تعالى :
وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
[ يس : 13 ] وقال بعض المحصلين لم يقصدوا هذا القصد فيما رموه به لأنه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس على أساليب الشعر ولا يخفى ذلك على الأعاجم من العجم فضلا عن بلغاء العرب وإنما رموه بالكذب فإن الشعر يعبر به عن الكذب والشاعر الكاذب حتى سمى قوم الأدلة الكاذبة الشعرية ولهذا قال في وصف عامة الشعراء
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
[ الشعراء : 224 ] ولكون الشعر مفسرا بالكذب قيل أحسن الشعر أكذبه والشعار الثوب الذي يلي البدن لمماسة شعر والشعار ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب أي يعلم والشعر أذناب الكلب لملازمة شعره إلى هنا كلام الراغب .