الكلام استعارة مصرحة حيث استعير التذكر وهو حصول الشيء في الذهن بعد الذهول عنه بأدنى تنبيه للعلم أولا بما ذكر من أن من يخلق ليس كمن لا يخلق لمشابهته له في الظهور والجلاء فذكر
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
[ النحل : 17 ] موضع
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ البقرة : 76 ] للمبالغة وقيل استعارة مكنية باعتبار أن التقدير أفلا تذكرون عدم المساواة والمداناة فهو المشبه فالكناية في ذلك المفعول المقدر شبهت الصورة الجلية الغير الحاصلة بالصورة الحاصلة المخزونة المذهولة ونسبة التذكر قرينة لذلك التشبيه المضمر في النفس واستعارة تخييلية وفيه تأييد لما ذكرناه في تفسير قوله تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ
[ النحل : 2 ] من أن الاستعارة المكنية قد تكون فيما يفهم من عرض الكلام لكن الأول أولى لخلوه عن التكلف .
قوله : ( بأدنى تذكر والتفات ) وفي النسخة التي عندنا بأدنى تفكر وهو الظاهر فلا إشكال بأن الأوجه بأدنى توجه قيل وليس بشيء لأن التذكر أدنى مراتب التفكر لأنه شامل له ولأعمال الفكر والتعميق ولا يخفى عليك مراد المعترض أن التذكر مشبه به كما عرفت فلا يناسب بل لا يصح اعتباره في جانب المشبه إذ لا تذكر فيه أصلا .
قوله تعالى :
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 18 ]
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 )
قوله : ( أي لا تضبطوا عددها فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها ) ولا تطيقوا عد أنواعها فضلا عن أفرادها فإنها غير متناهية كذا قاله في سورة إبراهيم وهنا قال فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها واعتبارها في معنى الآية لقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
[ النحل : 18 ] ولذا قال المصنف حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها وهناك تعرض لعدم تناهي نوعها لأن ختامه بقوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
[ إبراهيم : 34 ] يناسبه اعتبار عدم تناهي أنواعها أي مع عدم تناهيها يكفرها الإنسان حسن ختم الكلام بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
هنا وبقوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
هناك مع اتحاد صدر الكلام فيهما يظهر بملاحظة السباق والسياق قوله لا تضبطوا لازم معنى لا تحصوها وإنما اختاره لئلا يتحد « 1 » الشرط والجزاء إذ الإحصاء في الأصل العد بالحصاء وكان ذلك عادتهم ثم كنى به عن مطلق العد واشتهر حتى صار حقيقة فيه .
قوله : ( اتبع ذلك تعداد النعم وإلزام الحجة على تفرده باستحقاق العبادة ) شروع في بيان ارتباطه بما قبله تعداد النعم أي من أول السورة وهو الظاهر أو من قوله :
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
[ النحل : 14 ] إلى هنا ولا وجه له فإن ما عدده تعالى من مبدعاته فهي من حيث دلالتها على كمال قدرته ووحدته دلائل ومن أنها ينتفع بها الإنسان نعم وعن هذا قال فيما سبق إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة الخ .
قوله : ( تنبيها على أن وراء ما عدد نعما لا تنحصر ) أي نوعا وفي هذا التنبيه تنبيه على أن دلائله على كمال قدرته وتناهي حكمته .
هامش
( 1 ) ولو أول الشرط بأن أردتم عدها كما في قوله تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِأي إذا أردتم القيام إلى الصلاةفَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْالآية لا تستغني عن هذا التمحل .