على اختصاص المضاف بمصدره أي منشأ الحكم الواقع على خلاف ما حكم اللّه ورسوله من الجاهل جهله فالجاهلية أي الجهل صفة الجاهل حقيقة لكن إذا أريد المبالغة جعل صفة الملة ولذا اختاره هنا وأشار إلى الأول في سورة آل عمران بقوله وهو الظن المختص بالملة الجاهية وأهلها وإنما سموا بالجاهل مع أنهم من الأحبار لعدم جريهم على مقتضى علمهم .
قوله : ( وقيل نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا من رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى ) وهو ما كان مقررا فيما بين قريظة والنضير إن دية مقتول بني النضير مائة وأربعون وسيقا من التمر ودية مقتول قريظة سبعون وسقا وكان أرش جراحاتهم على النصف ولم يرضوا بتغيير هذا الحكم والشرع يستوي بين القتلى ولا يرجح بعضها على بعض وهذا الاستواء وإن كان أنفع لبني قريظة لكن لم يرضوا بتغيير ما كان مقررا عند آبائهم فلا إشكال في قوله طلبوا رسول اللّه عليه السّلام الخ حتى قيل إن ما ثبت في التواريخ إن الطلب من بني قريظة مع أن حكم الجاهلية يضرهم وجوابه ما تقدم مرضه إذ التخصيص بحكم القتلى غير مناسب بل الظاهر أن يبقى على عمومه .
قوله : ( وقرىء برفع الحكم على أنه مبتدأ ويبغون خبره والراجع محذوف حذفه في الصلة في قوله تعالى :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
[ الفرقان : 41 ] واستضعف ذلك في غير الشعر ) برفع الحكم لأنه من قبيل الإضمار على شريطة التفسير فتسوى فيه الأمران واستضعف ذلك أي حذف العائد من الجملة الخبرية في غير الشعر لكن حذفه في الصلة شائع ذائع فلا يقاس عليه .
قوله : ( وقرىء
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
[ المائدة : 50 ] ) بفتح الحاء والكاف بمعنى الحاكم .
قوله : ( أي
يَبْغُونَ
[ المائدة : 50 ] حكما كحكام الجاهلية يحكم بحسب شهيتهم ) أشار إلى أن الحكم مفعول يبغون وجه تقديمه ما مر في قراءة الرفع وأشار أيضا إلى أن حكما مشبه والمشبه به حكام الجاهلية ترك لظهوره ويمكن حمله على الاستعارة ويمكن حمله على التشبيه إذ المشبه به كالمذكور لمكان الجاهلية وهذا هو الأقوى .
قوله : ( وقرأ ابن عامر تبغون بالتاء على قل لهم أفحكم الجاهلية تبغون ) أي بإضمار القول خطابا للنبي عليه السّلام إذ بدونه لا يتم المعنى ويمكن أن يقال هذا كلام وارد على لسان رسول اللّه عليه السّلام كقوله :
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
[ الأنعام : 104 ] .
قوله : وقرىء
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
[ المائدة : 50 ] يبغون هذه قراءة قتادة قرأ
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
[ المائدة : 50 ] بفتحتين أي أفحكم الجاهلية والمراد وإن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام الجاهلية فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما مثل أولئك الحكام .