تهويل المستعاذ منه تنبيها على شدة خوفهم وطلبهم الوقاية منه ) فقد أخزيته غاية الإخزاء لما كان الجواب ظاهر اللزوم للشرط يظن أنه لا فائدة معتدا بها أشار إلى الجواب عنه بأن المراد بالجزاء ما هو أكمل أفراده فيفيد فائدة تامة كفاز فوزا عظيما وخزى غاية الخزي وعلى هذا التأويل قوله تعالى :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ
« 1 »
فازَ
[ آل عمران : 185 ] الآية .
قوله : ( وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع ) وجه الإشعار أن الداعي لم يتعرض العذاب الجسماني بل اكتفى بالاستعاذة عن الخزي الذي هو عبارة عن التخجيل والإهانة وهو عذاب روحاني فلو لا العذاب الروحاني أقوى لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة يعني أنه رتب فيه العذاب الروحاني وهو الإخزاء على الجسماني الذي هو إدخال النار وجعل الثاني شرطا والأول جزاء والمراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قد له فيشعر بأنه أقوى وأفظع وإلا لعكس كذا قيل وكون المراد من الجملة الشرطية الجزاء والشرط قيد له مختار السكاكي ولم يرض به السيد السند قدس سره « 2 » .
قوله : ( أراد بهم المدخلين ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم تسبب لإدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصرة دفع بقهر ) ولا يلزم من نفي النصرة رد لما قاله صاحب الكشاف من أن وقوله تعالى :
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
[ آل عمران : 192 ] يحتملهما قوله والمراد تهويل المستفاد منه معنى التهويل مستفاد من المبالغة في الإخزاء المدلول عليها بإطلاق الجزاء .
قوله : وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع قال الإمام قوله :
وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ آل عمران : 194 ] إشارة إلى قوله تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] فإنه ربما ظن الإنسان أنه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح ثم إنه يظهر له يوم القيامة أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا فهناك يحصل له الخجلة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد وذلك هو العذاب الروحاني فأول مطالبهم دفع العذاب الجسماني وآخرها دفع العذاب الروحاني .
قوله : للدلالة على أن ظلمهم سبب لإدخال النار فمعنى السببية مستفاد من ترتيب الحكم على الوصف المناسب المشعر لعلية الوصف للحكم ولإفادة معنى التسبب وقع المظهر وهو لفظ الظالمين موضع الضمير وإلا فمقتضى الظاهر أن يقال فما لهم من أنصار .
قوله : ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة هذا جواب عن احتجاج المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة قال صاحب الكشاف اللام في
وَما لِلظَّالِمِينَ
[ آل عمران : 192 ] إشارة إلا من تدخل النار وإعلام بأن من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة وغيرها وحاصل الجواب أنه نفي النصر نفي المقيد وهو نفي الدفع بقهر ولا يلزم من انتفاء الدفع بقهر انتفاء الدفع لا بقهر وهو الشفاعة وتوضيحه أن نفي الناصر ليس نفي الشفيع ولا يستلزمه لأن النصرة دفع بغلبة وقهر والشفاعة دفع بلين .
هامش
( 1 ) فإن الجزاء أي الفوز مفهوم من الشرط وهو من النار وادخال الجنة فيحمل الجزاء على كماله .
( 2 ) وتمام الكلام في المطول وحواشيه له قد سره .