قوله : ( بالإسراف وتضييع وجه المعاش ) فح يكون قوله
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
[ البقرة : 195 ] كالتأكيد لما قبله على ما قررناه وإن أريد بقوله :
وَلا تُمْسِكُوا
[ الممتحنة : 10 ] كل الإمساك النهي عن البخل فقط بحمله على السلب الكلي فيكون تأسيسا وحمله على رفع الايجاب الكلي موافق لكلامه في سورة البقرة وعطف قوله وتضييع وجه المعاش إشارة إلى ما سيجيء في تفسير قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
[ البقرة : 219 ] الآية وتنبيه على أن المراد بالإسراف الإنفاق بحيث يجلس يتكفف الناس فما دونه غير داخل في الإسراف المذموم إن كان بذله في وجوه البر .
قوله : ( أو بالكف عن الغزو والإنفاق فيه ) فيكون متعلقا بقوله قاتلوا مع ملاحظة وأنفقوا وأما على الأول فمتعلق بأنفقوا وهو الظاهر ولذا قدمه وأما الإلقاء في المحاربة مع كمال غلبة العدو فليس منهيا فلذا لم يقل
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] بإلقائها في المحاربة عند غلبة العدو إذ بذل الروح في سبيل اللّه من المحاسن غاية الأمر رخص ترك المقاتلة حين غلبة العدو في المحاربة .
قوله : ( فإن ذلك يقوي العدو ويسلطهم على إهلاككم ) أي ترك الغزو يقوى الخ .
ولذا قيل الجهاد إحياء .
قوله : ( ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال لما أعز اللّه الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت ) وهو خالد بن زيد الأنصاري لما أعز اللّه « 1 » أي لما أظهر اللّه تعالى عزة الإسلام بكثرة أهل الإيمان وغلبة سائر الأديان رجعنا إلى أهالينا من قبيل انقسام الآحاد إلى الآحاد فنزلت آية
وَلا تُلْقُوا
[ البقرة : 195 ] فح قوله : بالإسراف وتضييع وجه المعاش أو بالكف عن الغزو مبنى هذين الاحتمالين هو عطف ولا تقلوا فإن قوله تعالى :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ البقرة : 195 ] عطف على قوله :
وَقاتِلُوهُمْ
[ البقرة : 193 ] حتى لا تكون فتنة فقوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] يحتمل أن يكون متعلقا بآية الانفاق وأن يكون متعلقا بآية القتال أما الأول فلأن للانفاق طرفين مذمومين إفراط وهو الإسراف وتفريط وهو الإمساك فقوله
وَلا تُلْقُوا
[ البقرة : 195 ] نهى عن الطرفين ترك الانفاق والإسراف في الإنفاق وقوله :
وَأَنْفِقُوا
[ البقرة : 195 ] إشارة إلى سلوك الوسط بينهما وهو السخاوة فيكون قوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] تذييلا لقوله :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ البقرة : 195 ] تكميلا لقوله :
وَقاتِلُوهُمْ
[ البقرة : 193 ] وأما الثاني فلأن للقتال أيضا طرفين مذمومين إفراط وهو التهور وتفريط وهو الجبن فنهى عنهما بقوله :
وَلا تُلْقُوا
[ البقرة : 195 ] وأشير إلى الوسط وهو الشجاعة بقوله :
وَقاتِلُوهُمْ
[ البقرة : 193 ] .
قوله : ويؤيده أي ويؤيد الثاني وهو أن يكون المراد بقوله :
وَلا تُلْقُوا
[ البقرة : 195 ] كف النفس عن الغزو وجه التأييد ظاهر .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي وأبو داود عن أسلم بن عمران مع اختلاف في ألفاظه .