تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
قوله : ( أي بعضهم البعض ) فإسناد القول إلى الجميع مجاز عقلي أو كلهم قائلون ومقول لهم فلا مجاز لكنه خلاف المتعارف وأيضا قال الذين يظنون قرينة على إرادة الأول . قوله : ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده لكثرتهم وقوتهم لا طاقة لنا اليوم ) نفي جنس الطاقة بحسب الظاهر ولذا قال لكثرتهم وقوتهم وهذا يقتضي نفي المقاومة معهم بحسب الظاهر لا في نفس الأمر ولذا قال الخلص منهم كم من فئة قليلة الخ . ردا لهم ببيان أن الغلبة بعون اللّه تعالى لا بالعدد والعدد وكثرتها وقوتها وإبطالا لما أشعر كلامهم من أن المقاومة بكثرة الجنود وآلة الحروب وحاصل المعنى فلما جاوزه أي النهر المذكور طالوت والذين آمنوا معه وبرزوا لجالوت وبهذه الملاحظة ظهر كون قالوا لا طاقة لنا جواب لما جاوزه والظرف متعلق بآمنوا مثل قوله تعالى حكاية عن بلقيس
إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
وهذا لا يقتضي كون إيمان التابعين مع إيمان المتبوع في زمان واحد وقيل والظرف متعلق بجاوزه لا بآمنوا والأول يفيد أن المتخلفين بمعزل عن الإيمان بالمرة أو عن الإيمان الكامل ليشمل المنافقين والمؤمنين الغير الناصحين في البصيرة فلا جرم أن الأول هو المعول والجنود جمع كثرة للجند والأجناد جمع قلة له والجند الجيش الأشداء مأخوذة من الجند وهو الأرض الغليظة الشديدة ثم توسع وأطلق على مطلق الجيش أشداء أولا . قوله : ( أي قال الخلص منهم ) أي من المؤمنين فإن الباقين المؤمنين أيضا لكن قوة قوله : أي قال الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء اللّه الخ ذكروا في ضمير قالوا لا طاقة لنا وجهين أحدهما أنه راجع إلى الذين آمنوا وهم القليلون الذين أطاعوا وانتهوا بالنهي عن الشرب لكن هؤلاء المؤمنون افترقوا فرقتين فرقة قالوا
لا طاقَةَ لَنَا
[ البقرة : 249 ] إظهارا للضعف لا نكوصا عن القتال وفرقة ردوا عليهم وقالوا
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
[ البقرة : 249 ] الآية وهم الخلص منهم فإن قيل كيف يليق بالمؤمنين أن يقولوا لا طاقة لنا وهو دال على وهن عزيمتهم وأن ليس لهم قدم صدق في ذلك أجيب بأن المؤمنين يختلفون في قوة اليقين وهؤلاء على رتبة في اليقين من أولئك ومن ثمة فسر الذين يظنون بالذين تيقنوا لقاء اللّه فأطلق الظن على رتبة في اليقين من أولئك ومن ثمة فسر الذين يظنون بالذين تيقنوا لقاء اللّه فأطلق الظن على اليقين مجازا لما بينهما من المشابهة في تأكد الاعتقاد فإن الظن الاعتقاد الراجح والوجه الثاني أن الضمير عائد إلى الكثير فإن عسكر طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وكرعوا وامتنع قليل من ذلك فالشاربون لما كانوا عصاة تخلفوا عن طالوت ولم يتجاوزوا النهر وأرادوا أن يرجعوا قالوا للذين لم يشربوا إلا بالاغتراف
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
[ البقرة : 249 ] وأظهروا عذرهم في رجوعهم وكأنهم تقاولوا بهذا القول والنهر بينهما أقول الظاهر أن القائلين هم المجاوزون معه وحمل الواو في قالوا على الذين لم يجاوزوا بعيد قيل الوجه الثاني وهو أن يكون الضمير إلى الكثير الذين انخذلوا وانفصلوا عن طالوت أقرب لأنه كيف يقال في الذين جاؤوا معه
وَالَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 249 ] بوضع المظهر موضع ضمير القليل المشعر بالتعظيم والحال أنهم يقولون
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
[ البقرة : 249 ] أقول قولهم ذلك كما ذكر آنفا ليس
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 359 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر