المراد معاداة المقربين فما وجه تصدير الكلام بذكر اللّه تعالى ( وأفرد الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر ) لاختصاصهما بمزايا وفضائل فنزل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات وقد سبق الكلام فيه في تفسير قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
[ البقرة : 4 ] الآية .
قوله : ( والتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر ) مبني دلالة الكلام على ذلك أن الجزاء مرتبط بمعاداة كل واحد مما ذكر في الشرط لا بالمجموع كما قيل لكن السوق يقتضي ارتباطه بالمجموع حيث عطف بالواو الواصلة إلا أن يقال إن افرادهما مع دخولهما في الملائكة يقتضي نكتة وهي بيان فضليهما والتنبيه على ذلك بمعونة المقام وإن لم تكن هذه النكتة جارية في كل مرام ولك أن تقول إن الواو هنا بمعنى أو الفاصلة لما دل عليه دليل من قوله إن عداوة الواحد ولعل الغرض من ذكره والتعبير بالتنبيه إشارة إلى ذلك إذ التنبيه يستعمل فيما علم بالتأمل أو أدنى إنظار ( واستجلاب العداوة من اللّه تعالى ) .
قوله : ( وإن من عادى أحدهم ) أحد الملائكة وهو جبريل عليه السّلام كما سلف روايته ( فكأنه عادى « 1 » الجميع إذ الموجب لعداوتهم ومحبتهم ) لتحقق علة العداوة في جميعهم وإن زعموا أنهم يحبون ميكائيل كما يشعر به وميكائيل صاحب خصب والسّلام لكن تحقق علة العداوة في جميعهم محل نظر إذ سبب عداوة جبريل كشف أسرارهم على الرسول عليه السّلام وكونه صاحب خسف وقصة بخت نصر وتحققه في ميكائيل وسائر الملائكة غير مسلم فقوله إذ الموجب لمحبتهم الخ غير تام والقول بأن قوله ( على الحقيقة واحد ) إشارة إلى دفع هذا الإشكال فإن المسبب في الحقيقة وهو القرب من اللّه تعالى واحد وإن توهم أن سبب محبتهم وعداوتهم مختلفة ضعيف لأنه لم يفهم من كلامهم لا صريحا ولا التزاما أن سبب عداوتهم لجبريل قربه من اللّه تعالى فالأولى الاكتفاء بالوجه الأول والأحسن أن يقال في وجه عداوة الكل حين عداوة الواحد إن عداوة الواحد كعداوة قوله : والتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة معنى التسوية في الكفر مستفاد من وضع المظهر وهو لفظ الكافرين موضع المضمر الواقع في حيز الجزاء المترتب على معاداتهم الكل والبعض ومعنى استجلاب العداوة من اللّه مستفاد من ترتب الجزاء على الشرط بالفاء السببية الدالة على استتباع الشرط للجزاء ولزوم الجزاء عليه وأن من عادى أحدهم الخ عطف على أن معاداة الواحد الخ والفرق بين التنبيهين أن المراد بالأول بيان تسوية معادة البعض والكل في الكفر وفي الثاني بيان أن معاداة أحدهم في الغلظ والشناعة كمعاداة الجميع .
قوله : ولأن المحاجة عطف على لفضلها أو على التنبيه .
هامش
( 1 ) وإنما قال فكأنه عادى الخ إذ عداوة الواحد لا تستلزم عداوة الكل بل إنها تشبهها في هتك الحرمة واستجلاب العذاب العظيم وأما في الكفر فهما سواء ومن هذا قال إن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر .