زيادة الألف إن صح ذلك وما ذكره بعضهم مريدين نسبته إلى رعي الغنم لا يكون خلا لكلام المصنف لكن في حد ذاته صحيح الاعتبار والأصل راعينا بالياء أسقطوا الياء للتدليس وإخفاء حالهم وكانوا يقولون فيما بينهم ما كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا به الآن فكانوا يأتونه ويقولون راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود لئن سمعتها من أحد منكم بقولها لأضربن عنقه قالوا أو لستم تقولونها فأنزل اللّه تعالى هذه الآية كذا في اللباب .
قوله : ( أو سبه ) عطف على نسبته أي مريدين به سبه وشتمه ( بالكلمة العبرانية ) « 1 » ووقع في كلام البعض أو سريانية ( التي كانوا أي اليهود يتسابون بها ) بينهم ( وهي راعينا ) قيل معناها اسمع لا سمعت فحذفوا الياء وأقحموا الألف لما ذكرنا من قصدهم التلبيس حتى أوهموا أنهم يقولون راقبنا مع أنهم قصدوا السب وهذا غير ما ذكر سابقا أن معناه راعنا رعي الغنم فإنه اسم فاعل من الرعي مضاف إلى ضمير المتكلم حذفت ياء راعينا للتلبيس وهنا كلمة عبرانية أو سريانية يراد بها الشتم على ما هو فيما بينهم .
قوله : ( فنهى المؤمنون عنها ) أي عن تكلم هذه الكلمة لكونه سببا لتدليس اليهود وسبهم إياه عليه السّلام وإن كان غرض المؤمنين صحيحا وكل شيء يؤدي إلى محظور فهو محظور نظير قوله تعالى :
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ
[ الأنعام : 108 ] الآية حيث نهى اللّه تعالى عن آلهة المشركين لئلا يكون سببا لسبهم بمثل ذلك فالظاهر أن النهي للتحريم ( وأمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يقبل التلبس ) .
قوله : ( وهو أنظرنا بمعنى انظر إلينا ) أي أبصرنا إن جعل من النظر المعدى بإلى ( أو انتظرنا ) إن جعل من النظر المعدى بنفسه وهذا هو المراد من قوله ( من نظره ) وهذا المعنى هو الملائم لقوله وأمروا بما يفيد تلك الفائدة ( إذا انتظره وقرىء انظرنا من الإنظار ) .
قوله : ( أي أمهلنا لنحفظ ) ما تلقنا ومآل القراءتين واحد لأن معنى الإمهال هو التأخير وهو إنما يكون بالتأني والانتظار أي الترقب لفهمهم وأما كون المعنى انظروا إلينا فالمراد لازمه وهو الإحسان « 2 » والمرحمة كناية مثل قولك فلان لا ينظر الفقير أي لا يرحم لا لتقليب الحدقة فيؤول إلى معنى التأني والإمهال .
قوله : بمعنى انظر إلينا أو انتظرنا لعل الأول ناظر إلى قوله راقبنا والثاني إلى قوله وتأن بنا فإن انظرنا محتمل لهذين المعنيين كراعنا فأمروا بكلمة معناها معنى راعنا .
هامش
( 1 ) والعبراني بالكسر نسبة إلى العبر بكسر العين وسكون الباء وزيدت الألف والنون في النسبة على غير القياس وإنما نطق به إبراهيم عليه السّلام بالعبرانية حين عبر البحر فارا من نمرود وقد قال نمرود للذين أرسلهم خلفه إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه فلما أدركوه استنطقوه فحول اللّه تعالى لسانه عبرانيا وذلك حين عبر النهر فسميت العبرانية بذلك كذا في شرح البخاري للعيني .
( 2 ) فظهر ضعف ما قيل إن انظر إلينا لا يناسب المقام .