ما سبق « 1 » أنه كيف تصح الاستعانة والتبرك في حقه تعالى بأسمائه ووجه عدم ذكر الاستعانة قد ذكر آنفا من أن مرجع الاستعانة التبرك مع شيء آخر قوله وكيف يتبرك بصيغة المجهول ومعنى كيف يتبرك بأي عبارة يتبركون فلا يرد أن ما ذكره تعليم للتبرك لا لكيفية التبرك به كلمة كيف قد انسلخ عنها معنى الاستفهام في مثل هذا المقام والمعنى لينظروا ويعلموا على أي وجه يتبرك به ولما انسلخت كيف في مثل هذا المقام عن معنى الاستفهام وكان المعنى ( ليعلموا ) على أي وجه يتبرك به لا وجه للإشكال المذكور ولا معنى لحمل الاستفهام على الاستفهام الإنكاري وانسلاخ معنى الاستفهام عن كيف في مثل هذا الكلام مما صرح به الفاضل الرومي في قول صاحب التنقيح كالاتصال في المعنى المشروع كيف شرع ولا ريب إنما نحن فيه من هذا القبيل وفي كلامه إشارة إلى أنه ليس فيه قل مقدرة كما ذهب إليه البعض حتى أنكر الالتفات في إياك نعبد ونقل عن البلقيني أن جعله مقولا على السنة العباد نزغة اعتزالية لم يتنبه لها من اتبع صاحب الكشاف وجهه أن المعتزلة يقولون إن تكلم اللّه تعالى خلقه الكلام على لسان غيره انتهى قال المص في سورة الأنعام في قوله تعالى :
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
[ هود : 86 ] وهذا الكلام وارد على لسان الرسول عليه السلام يعني أنه تعالى تكلم من جانب الرسول تعليما على أنه ينبغي له عليه السلام أن يتكلم هكذا وكذا المراد هنا مثل تكلمه تعالى سمع اللّه لمن حمده من قبل عباده على ما روي والفرق بين أنه تعالى خلق الكلام في لسان غيره وأنه تعالى تكلم من جانب عباده تعليما لهم بين جلي لا يخفى على غبي فضلا عن ذكي فقوله لم يتنبه لها من اتبعه هفوة من طغيان القلم واللّه أعلم .
قوله : ( كيف يتبرك باسمه تعالى ) مستفاد من بسم اللّه الخ ( ويحمد على نعمه ) معلوم من أول السورة إلى اهدنا إذ إياك نعبد من تتمة الحمد ( ويسأل من فضله تعالى ) مفهوم من اهدنا الخ الفضل إما بمعنى التفضل فمن ابتدائية ولم يذكر المسؤول وهو الصراط المستقيم لظهوره أو بمعنى خير وهو الصراط هنا وكالعلم والعمل والنصرة فمن تبعيضية فحينئذ المسؤول مذكور .
قوله : ( وإنما كسرت ) استئناف معاني ( ومن حق الحروف المفردة ) أي مما يليق بها قوله : ومن حق الحروف المفردة أن تفتح وكان . الأصل أن يبنى على السكون لخفته ولكون السكون عدما والعدم هو الأصل في الحادث لكن لما تعذر الابتداء بالساكن كان حقها أن تبنى على الفتح لمناسبة الفتح السكون في الخفة وإن كانت الكسرة مناسبة له في المخرج وإنما كسرت مع أن الخفة مطلوبة في الألفاظ لاختصاصها بلزوم الحرفية والجر وكلا الأمرين يناسب الكسر أما الحرفية فلاقتضائها عدم الحركة والكسرة تناسب العدم لقلته حيث لم توجد في الفعل وفي غير
هامش
( 1 ) لكن هذا الاتجاه بالنسبة إلى الحمد غير ظاهر وإن ظهر بالنسبة إلى إياك نعبد إلا أن يقال 3 ذكر الحمد في الجواب استطرادي ليوافق ما قبله وما بعده وإلا فيصح الحمد من اللّه تعالى على ذاته العلية وصفاته الحسنى أو يقال .