تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
قوله : ( والتعبد بأمره ونهيه ) المفهوم من إياك نعبد إذ لا معنى لعبادة العبد له إلا امتثال أوامره واجتناب نواهيه فإن العبادة أقصى غاية الخضوع وهو لا يتحقق إلا بما ذكرنا فهي مشتملة على جميع العبادات اشتمالا إجماليا بحيث لا يشذ فرد منها وإما خصوص العبادة وتفصيلها ففي سائر السور فتشبه الأم فسميت أم القرآن قيل التعبد بمعنى التكليف وهو في الأصل جعل الشخص عبدا يقال عبدني فلان تعبيدا واعبدني إعبادا واعتبدني اعتبادا وتعبدني تعبدا والكل بمعنى استعبدني وصيرني كالعبد وعدي بالباء لتضمنه معنى التكليف انتهى . فحينئذ يكون الأمر والنهي بمعنى المأمور به والمنهي عنه وأورد عليه أن قوله إياك نعبد يفيد التنسك الذي هو وصف العبد لا التكليف وأجيب بأنه بناء على لسان العباد تعليما لهم وطلبا لعبادتهم فهو تكليف ثم إن تفسير التعبد بالتكليف لا يساعده اللغة إلا أن يقال هو تفسير له بلازم معناه وحقيقته اتخذه عبدا أو لتضمينه معناه لتعديته بالباء كذا التعبد بالأمر والنهي من قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] ويدخل تحته طلب الاستعانة والهداية إلى الصراط المفاد بقوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 5 ] لأنه طلب العون على ما تعبد وتكلف من إتيان ما أمر به والكف عما نهى عنه ويجوز أن يستفاد معنى التعبد من قوله الحمد للّه على أن يقدر بقل تعليما للعباد فيكون أمرا مشتملا للنهي فإن الأمر الإيجابي يتضمن النهي عن ضد ما أمر به ومحتويا على الثناء وذلك ظاهر ومعنى الوعد والوعيد من مالك يوم الدين فإن الدين هو الجزاء وهو إما بالثواب أو بالعقاب فوصف ذاته تعالى بأنه مالك متصرف بالجزاء يوم القيامة مشتمل على المجازاة بمقتضى الوعد بالثواب على المطيع والوعيد بالعقاب على العاصي ومن قوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
[ الفاتحة : 7 ] فإن بيان الصراط المستقيم بصراط الذين أنعمت عليهم بإبداله منه في ضمنه إخبار بأن الإسلام سبب لاستجلاب النعم كلها وأجلها النعم الأخروية الموعودة على الإسلام المدلول عليه بالصراط المستقيم فإن حذف المفعول من أنعمت لإفادة الشمول والإحاطة على ما قال صاحب الكشاف رحمه اللّه وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأن من أنعم اللّه عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه ففيه وعد على الإسلام بالإنعام وفي استثناء المغضوب عليهم ولا الضالين عن المنعم عليهم وعيد لدلالته على أنهم في حرمان مما منح به الذين أنعم عليهم بنعمة الإسلام ويمكن أن يقال في وجه تسمية الفاتحة بأم القرآن ما هو أبسط مما قالوا بأن نقول إن هذه السورة مشتملة عى أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين المشتمل عليها جميع القرآن النوع الأول علم أصول الكلام ومعاقدة معرفة اللّه وصفاته وإليه الإشارة بقوله للّه رب العالمين الرحمن الرحيم ومعرفة النبوات وهي المرادة بقوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[ الفاتحة : 7 ] ومعرفة المعاد وهي المدلول عليها بقوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] والنوع الثاني علم الفروع وكيفية العبادات وهي المومي إليه بقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] والعبادات بدنية ومالية وهما يتوقفان على أمور المعاش من المعاملات والمناكحات ولا بدّ الحفظ قوانينها من الحكومات فتمهدت الفروع على هذه الأصول والنوع الثالث علم ما به يحصل الكمال وهو علم الأخلاق وأجله الوصول إلى حضرة القدس وجناب الحق تعالى والسلوك لطريقه والاستقامة عليها وإليه الإشارة بقوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 5 ، 6 ] والنوع الرابع علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة