المقصود الأصلي وهو إثبات الغيرية فإن هذا مقصود أصلي من الكلام ويترتب عليه كونه صفة أو بدلا وأما النفي فملحوظ تبعا وكم من لفظ يستفاد منه المعنيان بملاحظة الاعتبارين قيل اعترض التفتازاني على هذا التصوير بما حاصله ما حرره قدس سره بقوله لا يقال كلمة لا في قوله غير المغضوب عليهم ليست عاطفة إذ لم يرد اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لا صراط الذين المغضوب عليهم بل أريد وصف المنعم عليهم بمغايرة المغضوب عليهم فلا وجه لها سوى أن يكون بمعنى غير فلا فائدة حينئذ لتبديله بلا في تصوير معنى النفي وتحقيقه ثم أجاب عنه بقوله لأنا نقول لفظة لا في أصلها موضوعة للنفي واشتهرت بهذا المعنى كأنها علم له فهي وإن جعلت بمعنى غير لكن صارت أظهر دلالة على النفي وأرسخ قدما فيه انتهى وتبعه أكثر المحشين لكن حينئذ يكون قوله فكأنه المفيد للتشبيه أو للظن بالنظر إلى مجرد تعبير اللفظ والمتبادر كونه بالنظر إلى اللفظ والمعنى جميعا فالمناسب لمذاق الكلام كون لا بمعنى النفي تصويرا للنفي الملحوظ تبعا ولزوما حتى يظهر كون لا زائدة ظهورا باهرا .
قوله : ( ولذلك جاز إنا زيدا غير ضارب ) هذا استدلال أني على أن غير في حكم لا وإن إضافته كلا إضافة فيجوز تقديم معمول ما أضيف إليه عليه أي لأن غير لتضمنه معنى النفي صار بمنزلة لا في جواز تقديم معمول ما أضيف إليه عليه وإن المعمول إنما يجوز تقدمه إذا جاز تقدم عامله والمضاف إليه لا يجوز تقدمه على المضاف فكذا معموله إلا أنه لما مر من أن غير لتضمنه معنى النفي صار بمنزلة لا وصارت إضافته كلا إضافة فجاز تقديم معمول ما أضيف إليه تلخيص الكلام إن غيرا وضعت للمغايرة وهي مستلزمة للنفي فتارة يراد بها إثبات المغايرة كما في الآية فيكون إثباتا متضمنا للنفي فيجوز تأكيده بلا وأخرى يراد بها النفي كقولك إنا زيدا غير ضارب أي لست ضاربا له لا أني مغاير لشخص ضارب له فيكون نفيا صريحا والإضافة بمنزلة العدم في المعنى فيجوز تقديم معمول المضاف إليه على المضاف أيضا كذا في الحواشي الشريفية وتلقاه أصحاب الحواشي بالقبول ويرد عليه أن غيرا إذا كان بمعنى لا وحرفا في صورة الاسم في هذا المثال لا يتم هذا الاستدلال فإن مداره على أن غيرا إذا كان بمعنى المغاير يكون اسما مستلزما للنفي فيعطى له حكم لا قوله : ولذلك جاز أنا زيدا غير ضارب أي ولكون غير بمنزلة لا جاز أنا زيدا غير ضارب حيث لم يمنع أن يعمل ما بعده فيما قبله لأن المانع من العمل هو الإضافة وإذا تضمن غير معنى لا كان كأنه لا إضافة فيه وإنما جاز ذلك في كلمة لا ولم ولن دون ما وإن والحال إن ما في حيز النفي لا تقدم عليه لأن ما يدخل على القبيلين وبه أشبه الاستفهام ولم ولن يخصان الفعل ويكونان كالجزء منه وأما لا وإن دخلت على القبيلين إلا أنها لكونها حرفا متصرفا فيها جاز أن يعمل ما قبلها فيما بعدها مثل جئت بلا شيء وأريد أن لا أخرج فجاز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها أيضا .
قوله : ولا مزيدة لتأكيد ما في غير من معنى النفي هذا عند البصريين وأما عند الكوفيين فهي بمعنى غير فالمعنى وغير الضالين .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 280
مساهمون: اسماعيل بن محمد القونوي
ص٢٨٠