استشهد على ذلك بقوله ( تقول حمدت زيدا على علمه وكرمه ) لكونه فعلا اختياريا لكن في كون العلم اختياريا نظر وإن كان بالمعنى المصدري لأنه من الكيفيات النفسانية الغير الاختيارية كما حقق في محله وعده من الاختيارية باعتبار مبادئه لا يفيد هنا إذ التعريف للاختياري الحقيقي فالاكتفاء بكرمه أي إكرامه وإحسانه أولى ( ولا تقول حمدته على حسنه بل مدحته ) لكون الحسن غير اختياري فهو أعم من الحمد بحسب التحقق ولظهوره لم يتعرض له ( وقيل هما أخوان ) أي مترادفان قائله صاحب الكشاف والمثال المذكور مصنوع غير حسن عنده فلا يتم الاستشهاد به ما لم ينقل عن البلغاء ولما كان هذا محتملا للوجهين هو الحيوان وزيد هو الإنسان مع أنه لا ترادف بين لفظي العام والخاص فيجوز أن يكون المدح أعم من الحمد ويكون قوله الحمد هو المدح من قبيل حمل العام على الخاص فعلى هذا من أين يدل قوله الحمد هو المدح والوصف بالجميل على أنهما مترادفان ويمكن أن يجاب عنه بأن مراده أنه تعريف أسمى معناه أن مسمى الحمد هو مسمى المدح وحينئذ يكونان مترادفين لأن المعرف يساوي المعرف سواء كان في التعريف الحقيقي أو الاسمي قال الطيبي رحمه اللّه قوله الحمد والمدح أخوان أي متشابهان لا مترادفان واعلم أن ههنا ألفاظ متقاربة المعنى متداينة المقرئ وهي الثناء والحمد والمدح والشكر فالثناء الذكر بالخير مطلقا قال الراغب الثناء ما يذكر من محاسن الناس فتثنى حالا فحالا قال الجوهري أثني عليه خيرا والاسم الثناء والشكر الثناء على المحسن بما أولى له من المعروف والحمد نقيض الذم والمحمد الذي كثرت خصاله المحمودة والمدح الثناء الحسن فالثناء هو القدر المشترك بين المعاني الثلاثة قال الإمام المدح أعم من الحمد لأن المدح يحصل للعاقل وغيره والحمد لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان والفضائل ومن ذلك قول المصنف رحمه اللّه الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها والمدح هو الثناء على الجميل مطلقا قال الراغب كل شكر حمد وليس كل حمد شكرا وكل حمد مدح وليس كل مدح حمدا وقال الإمام وإنما خص الحمد ههنا دون المدح ليؤذن بالفعل الاختياري ودون الشكر ليعم الإحسان والفضائل قال الطيبي رحمه اللّه ولعمري أن المقام يقتضي ما قاله الإمام لما أسلفنا أن الفاتحة هي أم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن وأنها تنبىء عن إجمال ما يحتويه القرآن وإنها واقعة في مطلع التنزيل والبلاغة فيه أن تتضمن ما سبق الكلام له فينبغي أن لا يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق فنحن بعون اللّه نراعي هذه الشريطة في التقرير فيما وافقنا المص فيها ويتبعه وفيما خالفنا نقف عنده ونجري الكلام على سننه نعم فيها كلمات ثلاث خصت بمعان مهمة في التوحيد فيقضى مزيد اختصاص به تعالى أحدها اللام في للّه والكلمتان الأخريان الصيغتان المنصوبتان وهما
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] فإنهما مخصوصتان لغة ومعنى وتركيبا والتاء في أنعمت فانظر إلى أسرار كلام اللّه المجيد وللّه در القائل :
أنعي إليك قلوبا طالما هطلت * سحائب الوحي فيها أبحر الحكم
قوله : وقيل هما أخوان قائله العلامة صاحب الكشاف الظاهر من نقله في مقابلة ما اختاره من أن بينهما عموما وخصوصا مطلقا أنه فهم من الإخوة معنى الترادف وقد يستدل عليه باستعمال الحمد في مقابلة الذم كما في قول الشاعر :
لا تحمدن امرأ حتى تجربه * ولا تذمنه من غير تجريب