فإذا سألت فسأل نبينا ذا وحي الإلهي ، أو وليا ذا كشف صحيح ؛ فإنه رحماني دون الذي يقال له : عرّاف ؛ فإنه إمّا نفساني ، أو شيطاني ، والنفس والشيطان كل منهما غافل عن اللّه تعالى ، وقد ورد في الخبر : « فإن من لا يعرف نفسه ؛ لا يعرف ربه » « 1 » ، فكيف يعرف عنه ؟ .
21 - في الأحاديث : « يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى » « 2 » .
هامش
- لأن الإنسان الكامل كل الوجود ، فافهم .
( لندرك الباطن بغيبنا ، والظاهر بشهادتنا ) فلمّا أراد تعالى ظهورنا بالصورة : أي بصورة الحق ولها الغيب والشهادة ، فأوجدنا ذا غيب وشهادة ؛ ذا جسم وروح ؛ فعالم الجسوم شهادتنا ، وعالم الأرواح غيبنا ؛ فالكون كله جسم وروح وبهما قامت نشأة الوجود ، فالعالم للحق ؛ كالجسم للروح فلا يعرف الحق إلا من العالم كما لا تعرف الروح إلا من الجسم .
فإنّا لما نظرنا فيه ، ورأينا صورته مع بقائها ؛ تزول عنها أحكام كنّا نشاهدها من الجسم وصورته من إدراك المحسوسات والمعاني ، فعلمنا أن وراء هذا الظاهر معنى آخر هو الذي أعطى أحكام الإدراكات معرفتنا غيبنا بشهادتنا ، وسمّيناه روحا لهذا الجسم الظاهر ، وكذلك ما علمنا أن لنا أمرا يحرّك أرواحنا كما كانت الأرواح تحرّك أجسامنا ؛ وهو روح الأرواح يحكم فيها بما يشاء حتى نظرنا في أنفسنا ، وعرفنا منها وبها ربّنا .
وبهذا أخبر الوحي النبوي : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » .
وقال تعالى :سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[ فصلت : 53 ] .
حتى عرفنا الغيب بالغيب ، والشهادة بالشهادة ، فمن جمع هذين العلمين فظهر بالصورتين ، وعلم علم الغيب والشهادة قال تعالى :وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ الحديد : 3 ] .
قال تعالى :عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً[ الجن : 26 ، 27 ] .
لتعلم أنه تعالى بالحكم الذي صحّت به الربوبيّة الموجبة للمكاسبة ؛ الرابطة بينه وبين خلقه أثر في العالم من الأحوال ، فيتّصف تعالى عند ذلك بالرضا والسخط .
( 1 ) ليس بحديث ، ولم أقف له على أصل .
( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1359 ) ، ومسلم ( 4 / 1870 ) .