تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 838

مساهمون:

ص٨٣٨
قال حضرة الشيخ : هل لك مرض جسماني ؟ قلت : نعم ، قال : إن الصحة الكاملة تسقط المرء إلى المرتبة الطبيعية والنفس ، وأنا مبتلي من قديم بريح البواسير ، قال : العبد عبد ليس فيه شوب من الربوبية ، والرب رب ليس فيه شوب من العبودية ؛ فالكامل الأكمل الذي فرق بينهما فرقانا ما ولم يخلط بين المراتب ، ولذا كان الأكمل أعجز العاجزين صورة فكما كان بصيرته وروحانيته في غاية العلو هكذا كانت جسمانيته في غاية السفل ، فهو لا يدري أوضع من نفسه وعجز في الخلائق ؛ فالفيض الكامل يعطي التعبير بالشريعة والأدب بحيث يجد صاحبه لذة كاملة في العبادة لا يشبهها شيء من اللذات ، ثم مثّل الفيض ؛ فقال : كما أن صاحب الزراعة ينبغي له التقيد بكراب الأرض ، وهو لا يدري حتى ينزل المطر فكذلك صاحب المجاهدة ينبغي له التقيد بالأعمال والأخلاق ، وهو لا يدري حتى ينزل الفيض ؛ فإذا نزل يصيب محزّة ، فمن تجل في آن غير منقسم لكنه يعطى علوما غير متناهية ، ومن تجل في يوم وأسبوع وفي شهر وفي أزيد يعني يمتد ، وكل ذلك ليس في يد العبد ، فكما أن في المطر الصوري رعدا وبرقا ، فكذا في الفيض المعنوي ما يشبهها ، والتجلي على أنواع ؛ فتارة ينكشف أسرار النسخة الإلهية ، وتارة أسرار النسخة اللفظية المكتوبة المنقولة عنها بالقرآن اللفظي ، فهذه أربعة مصاحف غايتها الرابعة ، فلذا ترى الكمّل لا يشتغلون في أواخر أعمارهم إلا بالقرآن ، وليس شيء يصلح أن يكون مورد فيضهم وعلومهم سوى القرآن . ثم قال : وقد أعطاني اللّه في هذا الكتاب إيمانا كاملا بحيث لو اتفق الملأ الأعلى والأسفل على خلافه ما زاغ قلبي ما دام التثبيت من اللّه ، ثم تلا قوله تعالى :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً
[ آل عمران : 8 ] . قال : إن شيخي كان رجلا ساكنا متأدبا لا يغره بما يغر به أرباب الدعوى في هذا الزمان ، وهو المقبول عندي أيضا . قال حضرة الشيخ : إن بعض الناس يطلب مني خارق العادة ، وليس عندي غير الكرامات العلمية الباطنية وبعض من الخواص يعطي له الطرفان لكن المقبول هو ما يتعلق بالباطن والإله ، لا بالظاهر والكون ، فمن أراد أن يكون مريدا إلي فليقبلني بهذه المرتبة ، ومن أراد الخوارق والكشوف فليطلب من غيري ، فإني لست بشيخ ، ثم تلا قوله تعالى :
ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : 9 ] .