تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 757

مساهمون:

ص٧٥٧
أحمد أحد ، فما فرق بينهما إلا ميم الإمكان ، وبهذا الميم الإمكاني كان أحد أحمد ، وأيضا أحمد محمد ، فمحمد رسول اللّه ، وأحمد هو ولايته ، ونبي اللّه ، فإنه انباء اللّه ووحدته ، وأيضا من كمالات نفسه ، وذلك في عالم الأرواح . كما قال : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » « 1 » ، فإن كل نبوة لا يستلزم الرسالات ، بخلاف العكس . أمّا أحد : فهو اللّه لا رسول اللّه ، ولا يكون أحد رسول نفسه ، إلا بالاعتبار ، والجهتين المختلفتين كما ينبئ عنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « السّلام عليك أيها النبي » « 2 » ، فإنه يسلم من جانب ولايته على جانب نبوته ، ومن ملكيته على بشريته ، ومن جمعه على فرقه ، ومن أصله على فرعه ، فلا يلزم منه التعدّد إلا بالاعتبار . فإذا عرفت هذا السرّ العظيم ، والمعرفة الجليلة ، فاعلم أنه كما أن اللّه تعالى واحد بالوجود والألوهية ، فكذا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم واحد بالوجود والرسالة ، فإن وجودات الأنبياء عليهم السّلام قبله ، إنما هي صور وجوده الشريف ، وهممهم في حكم أمته لا حقيقة لتقدم زمانهم ، وكذا نبواتهم ورسالاتهم صور نبوته ورسالته ؛ لأنه ما من شريعة من الشرائع الأول ، إلا وسرها موجود في القرآن الذي هو معدن هذه الشريعة الناسخة . فكما أنه لا إله إلا اللّه ، فكذا لا رسول إلا محمد ، وكما أن صور الكمّل مظاهر الحق فكذا صور الأنبياء مظاهر محمد الرسول ، وإنما ظهرت نبوته ورسالته فيهم بحسب استعداداتهم ومراتبهم ، كما أن نور الشمس إنما يتجلّى في القمر بحسب جلائه ، وكذا نور القمر إنما تجلّى في سائر النجوم بحسب مراتبها . ومنه يعرف سر قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا من اللّه ، والمؤمنون من فيض نوري » « 3 » ، فالقمر شمس ، لكن قيل له : قمر ، باعتبار خصوص التجلّي والإشراق ، وهو أيضا سراج ؛ لأن نوره ممدود من نور الشمس ، كامتداد نور الفتيل من الزيت .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 2 / 144 ) ، وذكره الهيثمي في الزوائد ( 2 / 141 ) . ( 3 ) تقدم تخريجه .