تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 701

مساهمون:

ص٧٠١
هامش
- ولذا قال أبو محمد سهل بن عبد اللّه التستري رضي اللّه عنه : خرج العلماء والعباد والزهاد من الدنيا وقلوبهم مقفلة ولم تفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء ، ثم تلاوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ[ الأنعام : 59 ] . وقد وقع لغير واحد ممن فعل ما ذكرناه ، واقتفى سبل ما أرشدنا إليه وبيناه ، أنهم كانوا إذا سئلوا عن مسألة دقيقة غامضة أتاهم الجواب من فيض الكريم الوهاب قبل تمام السؤال ، فيجيبون من غير روية ولا فكر ولا إشغال بال بجواب سديد ، محرر مفيد ، فأين الفهم والأوراق من هذه الأذواق ، ومن كان معلمه الحق ، واستمداده من حضرة خير الخلق تضاءلت له الفهوم ، وطافت بكعبة قلبه غرائب العلوم ، كما جرى ذلك لغير واحد ، ممن امتن عليه الكريم الوهاب الواحد . ومن المعلوم لدى أهل السلوك والعلوم أنه لا تنفتح للسالك طرق المشاهدة إلا بعد الكد والمجاهدة ، ولا تشرق أنوار العلوم اللدنية في جنانه ، وتنفجر ينابيع الحكمة منه إلى لسانه إلا بالذكر والمراقبة ، والإعراض عن السوء والمجانبة ، وإن كتب التعليم لا تفي بذلك ، ولا ترشد السالك إلى ما هنالك ، والسلوك إليه تعالى من غير ملاحظة أحد من أرباب القلوب ، لا يسلم صاحبه غالبا من الدسائس والآفات والعيوب ، ولا يوصله إلى معرفة اللّه المعرفة المطلوبة عند العارفين ، ولو عبد اللّه عمر نوح عليه السّلام أو ما زاد عليه من السنين ، بل أجمعوا على أن من لم يصح له نسب في طريق القوم كان لقيطا ، وفعله وقوله تخليطا وتخبيطا ، والسير إليه تعالى بغير دليل يوقع السائر غالبا في التيه والعطب والتهاويل . والدليل : هو الشيخ المربي يعرفك بحقائق الكائنات ، ويوقفك على معاني التجليات ، فلا يضرك شيء من الأشياء ، ولا تحجبك الظلالات والأفياء ، ثم إنه تارة يربي بالإلقاء الإلهامي من القلب إلى القلب ، وتارة بتقرير العبادات وتبيين الإشارات ، وبيان ما في السلوك إلى ملك الملوك ، وتارة بإلباس خرقة الصوفية المشهورة ، وما يناسبها من الخلوة وغيرها ، وتارة بنظره وهمته وحاله ، فيسري الحال الصادق منه إلى المريد الصادق ، وتارة التربية بنظر المريد إليه وذلك أنه إذا رأى الشيخ ذكر اللّه ، فيصل بذلك وينجذب به إلى اللّه ، ويختلف ذلك سرعة وبطئا باختلاف الاستعدادات ، وبالإخلاص في الخدمات والأدب مع المشايخ وحفظ حرمتهم غيبة وحضورا . وطريق من أراد السلوك ولم يجد بحسب الظاهر مسلّكا ولا مستجمعا للشروط متفانيا في اللّه هالكا أن يلتجئ إلى اللّه تعالى ويرفع إليه أمره ، ويشكو له حاله وضره ، ويتشفع إليه بالرسول الأعظم سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته ورفعة ذاته ، في أن يدله على من يدله عليه ، ويوصله إلى من يوصله إليه ، ويبالغ في اللجأ والسؤال في كل وقت وكل حال . -