تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
لأن الفاني لا يعود إلى أوصافه ، والباقي لا يكون له فناء كوني . وأمّا الموت الطبيعي فهو : انتقال لا فناء ، ويظهر عدم كونه فناء أن الإنسان الباقي بربه لا يبلى من حيث هيكله أيضا ، ومن آثار الصلة الحقيقية : ألا يعطي من نفسه الاعتراض على شيء من الأشياء التي هي بمنزلة أجزائه بالنسبة إلى حقيقة الوحدانية ؛ للتجلية بالصفات والقوى ، فينظر إلى الأشياء بعين الحقيقة ، ولا يكون عاقا لإمامة العلوية ، وانتهائه السفلية ، وما تولّد منهما من الأولاد الكثيرة التي لا تحصى عددا ؛ لأنها إخوانه وأقاربه . ولمّا ذكرنا من السرّ الإلهي ؛ ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلة الرحم في جنب الإيمان باللّه واليوم الآخر ، ثم لمّا كانت الأشياء أمورا مضادة من حيث طبائعها مخالفة لحقائقها في أحوالها المختلفة ؛ كان من الحكمة الإلهية إزالة الضد بالضد ، ولم يعد ذلك من العقوق ، كما أشار إليه قوله تعالى :
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
[ لقمان : 15 ] .

38 - في صحيح مسلم : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من لقي اللّه لا يشرك به شيئا ؛ دخل الجنة ، ومن لقيه يشرك به ؛ دخل النار » « 1 » :

الجملة الأخيرة تصريح بما علم من الجملة الأولى ؛ لأنه إذا كان الموحّد هو الذي يدخل الجنة ؛ كان المشرك هو الذي يدخل النار ، ولكل من الجنة والنار صورة ومعنى ، فصورة الجنة : دار الثواب المشتملة على ثمرات الأعمال ، ومعناها : القلب الإنساني المحتوي على نتائج الأحوال ، وفي الكل تنعّم ؛ لكل التنعّم في الجنة الأولى جسماني وروحاني ، وفي الثانية روحاني فقط ، وقد يشمل الروحاني في الدنيا الجسماني أيضا ؛ فيتنعّم المكاشف بما يقرب من تنعّم المحجوب في الجنان ، وله أخبار وآثار كثيرة ، ومن لم يذق ؛ لم يعرف كيف هو ؟ . وأمّا صورة النار « 2 » : فدار العقاب الجامعة لتبعات السيئات ، ومعناها : الطبيعة
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 60 ) ، ومسلم ( 1 / 94 ) . ( 2 ) قال السيوطي في البدور : أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما رأيت مثل النار نام هاربها ، ولا مثل الجنة نام طالبها » . وأخرج أحمد في مسنده عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لجبريل عليه السّلام : « ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قط ، قال : ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار » . -