ومن ذلك قول يوسف الصديق عليه السّلام :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] : أي من شأنها ذلك لولا العصمة .
كما أشار إليه قوله تعالى :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
[ يوسف : 24 ] .
والأمر الثاني : إن اللّه تعالى خلق الخلق برحمته ولرحمته ، وجعل الصورة النبوية مظهرا لذلك ، والرحمة من الأمور الجالبة لا من الأحوال السالبة ، فإذا ظهر كونه تعالى غفورا رحيما ، وكونه صلّى اللّه عليه وسلّم رؤوفا رحيما ؛ فاعرف هذا السرّ ، فإن اللّه تعالى لا يردّ عبده ، وهو معه وعنده .
في آل عمران :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
[ 163 ] :
( هم ) : أي متبعوا رضوان اللّه تعالى بالطاعة ، وقسمهم من أهل المعاصي درجات بحذف المضاف : أي ذوو درجات عند اللّه : أي في عمله وحكمه ، كما يقال : هذه المسألة عند أبي حنيفة كذا ، وعند الشافعي كذا ؛ بمعنى : إنهم متفاوتون في علم اللّه تعالى في مراتب الثواب والعقاب .
فالمطيعون لهم درجات بحسب أعمالهم قلة وكثرة ، وكذا العاصون لهم دركات بحسب أعمالهم قلة وكثرة أيضا ، فالعمال بجميع الأعمال الصالحة أرفع درجة ، كما أن العامل بجميع المعاصي أسفل دركة ؛ ولذا قال بعض العارفين : لا تقنع بعفو اللّه ؛ بل أرغب في إحسانه بأن يزيدك هنا عملا ومراقبة ؛ فيزيدك عنده جاها وحرمة ، واللّه بصير بما يعملون عالم بإيمانهم ودرجاتهم ؛ فيجازيهم بحسبها خيرا أو شرا ؛ وإنما فسّر البصير بالعلم ؛ لأنه لا معنى لكونه تعالى سميعا بصيرا سوى العلم بالمتبوعات والمبصرات ، ولمّا كان تعلّق علمه بأعمال الغير مما لا ريب فيه عمل على المحازاة [ . . . . « 1 » ] .
فعلى العاقل أن يجتهد في أن يكون من أهل الدرجات لا من أهل الدركات ، واللّه تعالى جعل في كل جنة مائة درجة بعدد الأسماء الحسنى ، والاسم الأعظم ؛ هو
هامش
( 1 ) يوجد بتر بالأصل قدر كلمتين .