تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
معنوية ؛ فتكون تصويرا لما يدلّ عليه مقامهم من الإقرار والتصديق . وإمّا حسّية على تقدير التمثيل في صورة الذّر ، فإن الشيء إذا تمثّل في صورة أخذ حكم تلك الصورة ؛ كجبريل عليه السّلام كان يتمثّل على صورة دحيه ، فإنه وإن لم يخرج عن حقيقته الملكية حينئذ إلا أنه كان يأخذ حكم البشر في التكلّم ونحوه . فالمتروحن يتكلّم بلسان باد ، ضلّ فيه من الصورة ، وقول الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[ البقرة : 30 ] الآية « 1 » ، محمول على واحد من المعاني المذكورة الثلاثة ، وأيّا ما كان فقولهم ثابت محقق لا ريب فيه ، فيكون عدوا لهم في الدين عن مقتضاه من غلبة الحجب الكونية ، وخروج الطبع عن الاعتدال ، وذلك الانحراف أيقن مقتضيا بمفهومهم الذاتية ، وما كلمهم اللّه فإنه الخلاف . لما سألوا عنه بلسان الاستعداد ، ثم إن السؤال الإلهي كان مبدوء بالهمزة حيث
هامش
( 1 ) قال سيدي علي وفا :قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ[ البقرة : 30 ] ، فإن شئت ذلك فلك الأمر كله ،وَنَحْنُعبادكنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[ البقرة : 30 ] ، مع جعلك فيها ذلك ، فكيف وأنت لا تجعل فيها خليفة ، إما منك فيما تفعله من خلف حجاب سببيته ، وإما منا ونحن عبادك الذين فطرتهم على طاعتك ، وليس بخليفة إلا من قام بحكم مستخلفه . فكلامهم هذا تفويض وتبرؤ من الاعتراض الذي أشعر به إخبارهم ، قبل إظهار المخبر به ، كما يفعل بمن توطّن على حصول ما لا يختاره ، فمن فهم من هذا الخطاب اعتراضا أو تعجّبا أو نحو هذا ، فليرجع عنه لما ذكرنا ، فهو أولى بحفظ حرمة المكرمين ، ويمكن أن يكونوا تعرضوا بذلك ؛ لأن يجعلوا جنود هذا الخليفة المنوّه بذكره ، ويؤذن لهم في النزول معه عن مصافهم السمائية إلى محل خلافته ، تعظيما لمن عظمه ربهم ، فكأنهم قالوا : ما ثمّ من يكون جندا له موجودا إلا الجن الشياطين ، وهم مفسدون سفّاك للدماء ،وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ[ البقرة : 30 ] . فتجعل أولئك جنده ، أو تجعلنا نحن جنده ،قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ[ البقرة : 30 ] ، فخلق له جنودا مضافة للفريقين . وعلى كل تقدير فهم لم يصفوا خليفة ربهم بالإفساد وسفك الدماء ، وإنما وصفوا به من يتأتى ذلك منه ، وفي الخلافة كف إفساده ، وقطع الخصومة الحاصلة بسبب فعله ، وكيف يذموا من وقعوا له بأمر اللّه لهمساجِدِينَ ، *وأنبأهم بأسمائهم التي بها صار لكلّ منهم مقام معلوم .