ما يؤل إليه من الحقائق ، فإن ذلك محتاج إلى الكشف الصحيح ، ومن ذلك يعلم أن علماء الرسوم أساءوا الأدب فيما حاولوا من التأويلات الزائغة ؛ وإنما عليهم أن يضيفوا الأمر إلى اللّه ، فإنه يعلم تأويله ، وكذا الراسخون في العلم بقدر ما علمهم اللّه تعالى ، فاللّه تعالى هو السميع باعتبار كونه رب العالمين ، وكذا سائر النعوت الكونية ؛ فإن اللّه تعالى يتّصف بها كلّها في بحر العماء الكوني ، وهو : ليس كمثله شيء باعتبار غناه الذاتي ، وقدسه ، ونزاهته ؛ فهو تعالى مرئي ، ومشهود بالاعتبار الأول ، وغير مرئي مشهود بالاعتبار الثاني ، إذ لا بد للشهود من مثالي ، ولا مثال فوق التجلّي العيني .
نعم ! إن اللّه تعالى يدرك في مرتبة تجريد التوحيد والتفريد ؛ لكن بوساطة الإطلاق الذي هو أحد وجهي الحقيقة الإنسانية ؛ لأنه هو الجهة الجامعة بينهما ؛ إذ الواحد المطلق بالإطلاق الحقيقي لا يراه إلا الواحد ، كذلك فإن عين الكثرة لا تنظر إلى الوحدة ، وكذا عين التقييد لا تدرك المطلق ، ومن ثم يقال : إن المانع لإدراك العين في الدنيا ؛ هو قيدها حتى أن اللّه تعالى لو رفع قيدها ؛ لأمكن الإدراك .
هامش
-فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ[ آل عمران : 7 ] ، قال : و ( أما ) لا تكاد تجيء في القرآن مفردة حتى تثنى أو تثلث أو تزاد على ذلك ، كقوله سبحانه :فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ[ الضحى : 9 ] ،وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ[ الضحى : 10 ] ، وكقوله تعالى :أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ[ الكهف : 79 ] ،وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ[ الكهف : 80 ] ،وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ[ الكهف : 82 ] ، فلما قال سبحانه :الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ[ آل عمران : 7 ] ، قدّرنا أنّ " أمّا " مرادة مع (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ *) ، فكأنه تعالى قال : وأما الراسخون في العلم .
وكلام أبي حاتم في ذلك غير سديد ولا مطرد ؛ لأنه قدّر في الكلام حذف ( أمّا ) ، وذكر أنها تقع في القرآن كثيرا مكررة ، ولعمري إن الأمر كما قال من وقوعها مكررة في القرآن ، وما علمناها جاءت فيه مرادة محذوفة ، وكان ينبغي أن يرينا من القرآن موضعا هي فيه مرادة وقد حذفت ليكون شاهدا على ما ذكره ، فأما أن يستشهد بتكريرها على حذفها فذلك غير مستقيم ، ولو كان الأمر على ما قال لكان وجه الكلام أن يقول تعالى :وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ[ آل عمران : 7 ] . وانظر : حقائق التأويل ( ص 166 ) بتحقيقنا .