تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
فإن قلت : لم خلق اللّه الإنسان ، وجعله مفتونا بما سواه مع أنه يعلم من حاله أنه لا يصبر على الشهوات والهوى . قلت : ذلك لإظهار استعداده الذي هو عليه في الأزل ؛ لئلا يكون على اللّه حجة بعد الرسل . فحاصل ذلك إلزام الحجة ؛ ليحيي من حي عن بيّنة ، ويهلك من هلك عن بيّنة ، فإنه تعالى إذا ابتلاه في الدنيا ، وكشف عن شأنه الذاتي في الآخرة ؛ لا يبقى له مقال فيما حكم اللّه به عليه ، وهذا السرّ إنما يتحقق للمحجوبين يوم القيامة . وأمّا قيامة العارفين المكاشفين فدائمة ؛ فهم الآن يجرون على سرّ القدر في أنفسهم ، ويطالعون في الأنفس والآفاق ؛ ولذا كان من شأن الملامية الحضور في مواضع القدر ؛ ليطّلعوا على ما في علم اللّه تعالى من الأقضية المبرمة التي لا محيد عنها ؛ وهذا من غوامض الأسرار ، ولا يجوز البحث عنه أكثر من ذلك « 1 » .
هامش
( 1 ) قال الشيخ الأكبر في الفص الآدمي : [ ومن هؤلاء من يعلم أن يعلم اللّه به في جميع أحواله هو ما كان عليه في حال ثبوت عينه قبل وجودها ، ويعلم أن الحق لا يعطيه إلا ما أعطته عينه من العلم به وهو ما كان عليه في حال ثبوته ، فيعلم علم اللّه به من أين حصل ، وما ثمة صنف من أهل اللّه أعلى وأكشف من هذا الصنف ؛ فهم الواقفون على سرّ القدر . وهم على قسمين : منهم من يعلم ذلك مجملا ، ومنهم من يعلمه مفصلا ، والذي يعلمه مفصلا أعلى وأتم من الذي يعلمه مجملا ، فإنه يعلم ما في علم اللّه فيه إما بإعلام اللّه إياه بما أعطاه من العلم به . وإما أن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى . وهو أعلى فإنه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللّه به لأن الأخذ من معدن واحد هو العين المعلومة . إلا أنه من جهة العبد عناية من اللّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه الثابتة يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه اللّه على ذلك . فإنه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه اللّه على أحوال عينه الثابتة التي تقع صورة الوجود عليها أن يطلع في هذه الحال على اطلاع الحق على هذه الأعيان الثابتة في حال عدمها لأنها نسب ذاتية لا صورة لها . فبهذا القدر نقول : إن العناية الإلهية سبقت لهذا العبد بهذه المساواة في إفادة العلم . -
مرآة الحقائق — صفحة 279 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي