فقد توفّاهم اللّه تعالى من حيث جسدانيتهم في أزمنة مختلفة ، وما توفّاهم من حيث روحانيتهم إلا في زمان واحد ؛ لأن الزمان لا يجري على الأرواح الغير المتحيزة ، فكما أنهم كانوا قبل وجود الزمان من حيث أرواحهم ؛ كحلقة مفرغة لا يدرى أين طرفاها ؟ فكذا كانوا بعد وجود الزمان من حيث تعلّق أرواحهم بأبدانهم على هيئة واحدة في الحقيقة ، فكانوا كأنهم توفّوا على وجه المعية ، ثم إن قولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك .
وأراد بمقتضى الوعد يعني : إذا كان لسان الربوبية قد أعطاهم الوعد ، فلسان العبودية قد أعطى السؤال ، وإلا فاللّه تعالى لا يخلف الميعاد ، ولا حاجة للسؤال عند حضور الكريم ؛ ولكن من أفراد يعطون جميع المراتب حقها .
سورة النساء
قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
[ النساء : 1 ] « 1 » .
هامش
- ومن هنا يفهم قوله تعالى :حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ[ هود : 40 ] ؛ ولذلك قال تعالى :أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً[ نوح : 25 ] .
وبما أخبر اللّه تعالى عنهم :أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ[ هود : 36 ] ؛ ولأنه دعاهم بالسنّة الأولى إلى الحكمة الثانية ، ولن يعد امرؤ قدره ، ولا يخالف موضوع سرّه .
وأمّا الذين آمنوا مع نوح ؛ كان لهم مدد من نبوّته ، وخاصية من حقيقته على حكم الندور ، ولما يكون به التأصيل إذا انختم الدور ، ثم يدور وإلا فقد هلكت أنعامهم ، وأنفسهم وأطفالهم ، وغير ذلك مما لا يجري عليه القلم ، وقد أمر نوح أن يحمل معه كل زوجين اثنين ، فما خصوصية هذا الإنعام من تلك الأنعام ؟ وتمييز كل زوجين من نوعها وجنسها ؛ وإنما هي حكمة ربّانية وسريرة سريانيّة .
( 1 ) قوله تعالى :وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها[ النساء : 1 ] ؛ وهي حواء .
وقال تعالى :وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها[ الروم : 21 ] .
وما أنشأ اللّه تعالى من كل شيء زوجين ؛ إلا ليعرّف اللّه العالم بفضل نشأة الإنسان الكامل ؛ ليعلم أن فضله ليس بالجعل الكامل ليعلم أن فضله ليس بالجعل .
فإن الذي هو الإنسان الكامل ظهر به ازدواج من لا يقبل لذاته الازدواج ما هو بالجعل ، فضمن الوجود الإنسان الكامل الظاهر بالصورة ، فصار الصورة بالصورة روحين فخلق آدم علي صورته فظهر في الوجود صورتان متماثلتان كصورة الناظر في المرآة ما هي عينه ولا هي غيره ولكن حقيقة الجسم -