الصّفات وحدانيّ الأفعال ، كذلك يحبّ لخليفته - وهو الإنسان السّالك سبيل ربّه - أن يكون من الموحّدين ، بأن يختار إلها واحدا ونبيّا واحدا وبعده في كلّ عصر وصيّا واحدا وكتابا واحدا ودينا واحدا وقبلة واحدة وملّة واحدة ، وكذلك ينبغي أن يكون في جميع ما يأتي ويختاره في دينه ودنياه حتّى يكون موحدا حقيقيّا كاملا .
فإنّ التّوحيد والتّفريد والتّجريد يقتضي أن يحترز السّالك في جميع أحواله عن الكثرات المورثة لتفرّق البال ، والوفرات المشوّشة للخيال ، ويجعل همّه همّا واحدا ، وهو ما يكون للّه وفي اللّه .
ولا يتيسّر ذلك إلّا بأن يتّبع من كلّ شيء أحسنه وأعلاه وأجمعه وأوفاه وأكمله وأتّمه وأرفعه وأحكمه ، حتّى في مكسبه ومسكنه ومأكله وملبسه ، ويكتفي بالأقلّ الأجمع والأسهل الأرفع ، فإنّ الشّرف والكمال بتغليب جانب القلّة على الكثرة وترجيح الوحدة على الوفرة .
والعبد كلّما كانت علائقة أقلّ كان إلى اللّه أقرب ، وكلّما كانت أكثر كان سلوك سبيل اللّه عليه « 1 » أصعب . كما يدلّ عليه البرهان ويشهد له الذّوق والوجدان .
وإذا عرفت هذا فاعلم : أنّ العلم والعمل جوهران شريفان ودرّتان يتيمتان ، لأجلهما خلق اللّه ما خلق وأنزل اللّه ما أنزل من الرّسل والكتب .
قال اللّه - سبحانه - : «
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
» « 2 » .
وقال - عزّ من قائل - : «
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
» « 3 » .
وأشرف الجوهرين العلم ، فإنّه بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثّمرة ، فالشّرف للشّجرة ، فإنّها الأصل لكنّ الانتفاع بثمرتها .
وأيضا العلم والعمل وسيلتان إلى سعادة الدّنيا والآخرة ، وذريعتان إلى القرب من اللّه . ولا يتوصّل إلى العمل أيضا إلّا بالعلم بكيفيّة العمل ، فالعلم أفضل الأشياء .
هامش
( 1 ) ليس في ن .
( 2 ) الطلاق / 12 .
( 3 ) الذّاريات / 56 .