تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
شيطان يقول الفقير يرده ما سبق من أن الشيطان طرد عنه وقتئذ وهو الصحيح لان المقام لا يسع الشيطان وانما سلطانه على أهل الملك دون أرباب الملكوت وفرق بينه وهو مناج في الطور وبين آدم وهو معاشر في الجنة فان قلت قوله تعالى في سورة الحج ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا إذا تمنى القى الشيطان في أمنيته ) يدل على أن كل نبي مبتلى بذلك خصوصا وقت التلاوة وهي من أنواع المناجاة قلت فرق بين التلاوة الظاهرة والمناجاة الباطنة ألا ترى إلى قوله عليه السلام ( لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ) فما ظنك بالشيطان المردود إلى أسفل سافلين البعد هكذا لاح ببالي واللّه اعلم ولما سمع موسى كلام ربه غلب عليه الشوق إلى رؤيته وقال هذه لذة الخبر فكيف لذة النظر مع أن الكل يعمل على شاكلته وشاكلة البشر وفطرته على طلب العلو والترقي إذا ظفر بشئ طلب ما هو أعلى منه ولا أعلى من تجلى الجمال وفيض الوصال فسأل الرؤية وفي التفسير الفارسي [ چون موسى كلام حق شنيد واز جام كلام رباني جرعهء ذوق محبت چشيد فراموش كرد كه أو در دنياست خيال بست كه در فردوس اعلاست وچون جنت جاى مشاهدهء لقاست ]
قالَ رَبِّ أَرِنِي
ذاتك اى مكننى من رؤيتك
أَنْظُرْ إِلَيْكَ
أرك فالنظر بمعنى الرؤية الا ان المطلوب بقوله أرني ليس ان يخلق اللّه تعالى رؤية ذاته المقدسة في موسى حتى يلزم كون الشيء غاية لنفسه بان يكون المعنى أرني نفسك حتى أراك لأنه فاسد بل المطلوب به ان يمكنه من رؤية ذاته المقدسة وتمكينه تعالى إياه من الرؤية سبب لرؤية موسى إياه تعالى فاطلق عليه اسم الرؤية المسببة عنه مجازا - روى - عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال لما قال موسى عليه السلام
أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
كشف الحجاب وابرز له الجبل وقال
أَنْظُرْ
فنظر فإذا امامه مائة الف نبي وأربعة وعشرون الف نبي محرمين ملبين كلهم يقول أرني أرني واعلم أن الأجساد تنمو بنماء الأقوات كذلك الأحوال تصفو بصفاء الأوقات فقوت جسدك ما غذيته من الطيبات وقوت روحك ماربيت به من أقوات الطاعات في أوقات الخلوات وكلما صفت الأواني جلت ما فيها من جواهر المعاني فإذا كان عين بصيرتك منطمسة وخيول همتك منحبسة فما لك والتطاول إلى منازل قوم عيون قلوبهم منبجسة وسرائرهم لأنوار معارفهم من جذوة الغيب مقتبسة فلا تدع بما ليس فيك وحسبك ما يعلم اللّه منك ويكفيك فينبغي لك ان تقف وقوف الأصاغر وتتأدب بآداب الأكابر هذا كليم اللّه موسى لما كان طفلا في حجر تربية الحق سبحانه ما تجاوز حده بل قال
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
فلما بلغ مبلغ الرجال ما رضى بطعام الأطفال بل قال
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
وهو حجة أهل السنة والجماعة على جواز رؤية اللّه تعالى فان موسى اعتقد جوازها حين سألها واعتقاد جواز ما لا يجوز على اللّه تعالى كفر ومن جوز ذلك على موسى أو على أحد من الأنبياء فهو كافر كما في التيسير قال حضرة الشيخ الكبير صدر الدين القنوى في فك ختم الفص الداودي من شأن الكمل ان كل ما هو متعذر الحصول لاحد من الخلق هو عندهم وبالنسبة إلى كمال قابليتهم غير متعذر ولا يستحيل الا ان يخبرهم الحق بأخبار مخصوص خارج من خواص المواد والوسائط فحينئذ يصدقون ربهم ويحكمون باستحالته
تفسير روح البيان — صفحة 231 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي