كانت عليها ، ولا شكّ إنّ الآخرة إنّما تحصل بارتفاع الحجب وظهور الحقايق وزوال التعيّنات وتميّز الحق عن الباطل .
على أنّ من اكتحل عين بصيرته بنور الايمان ، وتنوّر قلبه بطلوع شمس العيان ، يجد أعيان الأفلاك والأركان متبدّلة ، وطبائع الصور والأكوان متحولة متزايلة ، فهي أبدا في السيلان والزوال والحركة والانتقال ، حركة جوهريّة وتجدّدا ذاتيّا ، لا بمجرّد الصفات والأعراض فقط ، وفي المقولات الأربع لا غير - كما زعمه المحجوبون من أهل النظر - بل كما أقيم عليه البرهان مطابقا لما وجده أصحاب المكاشفة والعيان ، من أنّ الطبيعة السارية في أجسام هذا العالم هي حقيقة سيّالة متجدّدة الذات ، غير قارّة بحسب الجواهر .
وعلم من ذلك أنّ الدنيا بحذافيرها حادثة ، وهي دار زوال وانتقال ، والآخرة دار قرار وثبات ، كما يراه المليّون ، حسبما وصل إليهم من حملة أسرار الوحي والتنزيل وخزنة علم النبوّة والتأويل .
قوله عزّ اسمه : [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 7 ]
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 )
أي أصنافا ثلاثة . وذلك لأنّ الإنسان فيه مبادي إدراكات ثلاثة من جهة قوى ثلاث : قوّة العقل ، وقوّة الخيال ، وقوّة الحس . ولكلّ قوّة كمالا ، فكمال القوّة العاقلة بإدراك المعارف الإلهيّة والعلوم الربانيّة ، وبه يحشر الإنسان في جوار اللّه وملكوته ، وكمال القوّة الخياليّة في فعل الخيرات وتهذيب الصفات وتبديل السيّئات بالحسنات ، وكمال القوّة الحسيّة بإدراك الملايم الحسّي من الملاذ الجسمانيّة والأعراض البدنيّة .