الاستعدادات وفقدان الأسباب الموجبة إلى نحو كمالي من الوجود ، فإن للوجود والحياة والنورية مراتب متفاوتة ، ومقابل كل مرتبة منها مرتبة من العدم والموت والظلمة .
فحياة أهل الايمان مطلقا مرتبة لا يكون لغيرهم لاختصاصهم
بقوله صلى اللّه عليه وآله : المؤمن حيّ في الدارين .
وحيوة الشهداء مرتبة أخرى فوقها لقوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ 3 / 170 ] وحيوة الأولياء مرتبة فوق الجميع
لقوله صلى اللّه عليه وآله : « أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » « 1 »
وهم الذين قال تعالى فيهم : « من قتلته فأنا ديته » أي حياته .
وفرق بين من يكون مرزوقا عند الرب تعالى ومن يكون يطعمه ويسقيه ربه وكذا فرق بين من يكون حيا عند الرب ومن يكون حياته بالحق تعالى .
وبإزاء كل من هذه الأقسام للحياة قسم من الموت ، كما قال اللّه تعالى للكفار
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
[ 25 / 14 ] .
فالمراد بنسيان المجرمين إياه تعالى هاهنا موت الجهل ، لأن معرفته ومعرفة اليوم الآخر يؤديان إلى حيوة الآخرة بلقاء اللّه ، لأن ذات اللّه تعالى مبدأ الأشياء وغايتها والمعرفة هنا بذر المشاهدة هناك ، لأن الدنيا مزرعة الآخرة ونسيانه تعالى إياهم لازم ، لأنه عبارة عن عدم إفاضة نور الحق عليهم لعدم خروجهم عن غلاف البشرية وحجب الشهوات والتعلقات بالأجرام الكثيفة الدنياوية حتى صاروا عين هذه الحجب وقيل : النسيان هنا بمعنى الترك ، أي تركتم ذكر العاقبة ، فتركناكم من الرحمة .
واعلم إن السعادة الإنسانية منوطة بشيئين : بالعلم الذي هو عبارة عن الايمان
هامش
( 1 ) البخاري : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة : 9 / 119 . ورواه أصحاب الصحاح راجع المعجم المفهرس : 2 / 481 .