عن شوب الاثنينية والتركيب العيني والذهني والاعتباري والتحليلي ، وعن وصمة القصور والإمكان العقلي إلى ما وصلوا ، لكنهم قد قصّروا بأسرهم في علم المعاد ، وقد اعترفوا عن آخرهم بالعجز والقصور عن الاطلاع والعثور على أحوال الآخرة ونشأة القبور وحالة النشور . وكان هذا المقصود مما لا يمكن الوصول إليه والاطلاع عليه إلا بنور متابعة أفضل الأنبياء صلى اللّه عليه وآله ، والاقتباس من مشكاة نبوته والاستضائة بنور أوليائه وأتباعه والاقتداء بهداهم .
لمعة إلهية لإزاحة ظلمة شيطانية
إن ما حكى اللّه سبحانه عن الكفار بقوله :
« أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ »
إشارة إلى أعظم شبهة يتمسك بها الجاحدون للمعاد ، وأقوى ريبة يتشبث بها المنكرون للبعث يوم التناد ، وقوله :
« بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ »
إشارة إلى أجلّ ما يصلح للجواب وأعلى ما يتصور في دفع الخطاب .
أما شرح تقرير الشبهة : فهو إن عمدة ما يشوّش الذهن ويتبلّد الطبع في باب المعاد ، انه يلزم من إعادة الإنسان بعد موته إما إعادة المعدوم - وإن كان البدن المعاد هو بعينه البدن الذي كان في الدنيا - وذلك أمر مستحيل عند العقل ، وإما أن يكون المثاب والمعاقب غير الشخص الذي فعل الطاعة أو المعصية بحسب العدد ، فقوله
« أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
- الآية » أي عدمنا وصارت أجسامنا مستحيلة إلى التراب وزالت هويتنا الشخصية ، فعند ذلك يتجدد لنا وجود آخر ، والوجود يساوق التشخص ، فكما أن شخصا واحدا لا يكون له تعيّنان وهويتان ، فكذا لا يكون له وجودان ، وإلا لزم أن يكون الواحد اثنين ، وهذا بعينه هو ما حكى اللّه تعالى عن قول من يجحد الآخرة بقوله :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
[ 19 / 66 ] .
وأما تفسير الجواب وتوضيحه على وجه يندفع هذه الشبهة ونظائرها فهو مما يستدعي تمهيد مقدمة هي : إن جميع الموجودات العالمية سيما الإنسان كائنة على وجه يتوجه نحو المبدإ بحسب الجبلّة والفطرة ، وهو الدين الإلهي الفطري التي لا يخلو