ان الهيولى الكلية المطلقة بذر شجرة العالم الجسماني التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ، فتصرفت فيها أيام الحمل في أطوارها ، فجعلها عالما صغيرا مناسبا للعالم الكبير ، فتكون المعدة بمثابة الأرض والرأس بمثابة السماء والقلب بمثابة العرش والصدر لمكان الكبد بمثابة الكرسي ، وهذا كله بتدبير الروح وتصرفه خلافة عن ربه .
ثم استوى الروح بعد فراغه من الشخص الكامل على عرش القلب ، لا استواءا مكانيا ، بل استواءا ارتباطيا تعلقيا معنويا ، ليتصرف في جميع أجزاء الشخص ، وتدبّر أموره بإفاضة فيضه على القلب أولا ، ثم من القلب على الكبد والدماغ والأعضاء الشريفة الرئيسة ثانيا ، ثم على سائر الأعضاء والجوارح بتوسطها ، فالعرش مقسم فيض الحق على العالم كله كما أن القلب مقسّم فيض الروح إلى القالب كله .
فإذا تأملت في هذا المثال تأملا شافيا وجدته في نفى التشبيه عن الصفات المقدسة المنزهة كافيا ، وتحققت بحقيقة
قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم « 1 » : « من عرف نفسه فقد عرف ربه »
إن شاء اللّه .
تلويح عرشي
لا يستر على العارف المكاشف ان في الوجود وجوها من المشابهة والمماثلة بين القلب الإنساني وعرش الرحمان ، ذكرنا في بعض كتبنا العرفانية بوجه تفصيلي لا بأس بذكر جملة منها على وجه التلخيص وهي خمسه :
الأول : إنهما يشتركان في كونهما محل استواء الرحمان ، أما العرش فلدلالة هذه الآية ونظائرها على كونه كذلك ، وأما قلب المؤمن العارف فلقوله تعالى في القرآن :
هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ 57 / 4 ]
وفي الحديث القدسي : « يا داود فرّغ لي بيتا ، أنا عند المنكسرة قلوبهم » .
هامش
( 1 ) مصباح الشريعة : الباب 62 . ونسبه ابن أبي الحديد ( 4 / 547 ) إلى علي عليه السّلام .