بسط حكمة رحمانية
إن استوائه تعالى على العرش بعد الفراغ من خلق الأنواع على نهج الإبداع تصرفه تعالى في العالم بواسطته وتدبيره الأمور بوسيلة تحريك السماء الموجب لحدوث الأشياء المتجددة ، وإنما خصّ العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام ( الأشياء - ن ) اللطيفة القابلة للفيض الرحماني .
وعند بعضهم العرش فلك عظيم مشتمل على جميع الأجرام الفلكية والكوكبية يحيط به سطحان : أحدهما مقعّر مائل القمر ، والآخر ما هو منتهى الإشارة الحسية أي جهة الفوق الحقيقي ، وهو متحرك بالحركة اليومية السريعة الحافظة للزمان ، المحيطة بسائر الحركات المستديرة ، وبه يتجدد الأبعاد المكانية والزمانية ، والحوادث والاستعدادات وغيرها ، فما من حادث من الحوادث من الحركة والأجسام الكائنة والفاسدة إلا وللعرش مدخل في وجوده وعدمه ، كما أن القلب الإنسانى رئيس سائر الأعضاء ولا يسري قوة الحياة والحس والحركة الفائضة من النفس على البدن إلا بتوسط القلب فإنه أول ما يتحرك من أعضاء البدن ، وآخر ما يسكن منها ، فهو بحسب حقيقته وذاته محيط بالبدن .
والنفس مستو عليه على مثال استواء الرحمان على العرش ، فإن الاستواء صفة من صفاته تعالى لا يشبه استواء المخلوقين ، كالعلم وساير الصفات ، لا اشتراك بينه تعالى وبين الخلق إلا بحسب الاسم والحكاية
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ 42 / 11 ] وهذه الآية توجب نفي المثل وإثبات المثال ، ولا مثال له تعالى ذاتا وصفاتا وأفعالا في الوجود إلا النفس الآدمية بحسب جمعيته الأحدية .
ولو أمعنت النظر في خصوصية خلافتك للحق تعالى لعرفت نفسك ، فعرفت ربك ، وذلك ان اللّه تعالى لما أراد خلق شخصك من النطفة المودعة في الرحم ، استعمل روحك بخلافته ليتصرف في النطفة ، وهو بذر شجرة عالمك وبدنك ، كما