بالاستقلال قال بالقدر والتفويض 163 - أي بكونها واقعة بقدرتنا الاستقلالية مفوضة إلينا . ولهذا
قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « القدرية مجوس هذه الأمة » « 1 »
لأنها تثبت مبدأين قادرين مستقلّين كالمجوس القائلين بيزدان وأهرمن ، وإن أحدهما فاعل الخير ، والآخر فاعل الشر بالاستقلال .
ومن نظر إلى السبب الأول وكون تلك الأسباب والوسائط مستندة بأسرها على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات إلى اللّه تعالى استنادا واجبا وترتيبا معلوما على وفق القضاء والقدر ، وقطع النظر عن الأسباب القريبة أو نفى التأثير مطلقا في العلل والمعلولات وأبطل حكمة اللّه في نظم الأسباب وتقدمها على المسببات قال بالجبر وخلق الأفعال ، ولم يفرق بين أفعال الأحياء وأفعال الجمادات .
وكلاهما أعور دجّال لا يبصر بإحدى عينيه . أما القدري 164 فبالعين اليمنى - أي النظر الأقوى - الذي به يدرك الحقائق . وأما الجبري فباليسرى - أي الأضعف - الذي به يدرك الظواهر .
وأما من نظر حق النظر فأصاب فقلبه ذو عينين ، يبصر الحق باليمنى فيضيف الأفعال إليه - خيرها بالذات وشرها بالعرض - ويبصر الخلق باليسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال 165 ، وبالإعداد لا بالإيجاد ، ويتحقق بمعنى
قول الصادق عليه السّلام : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » « 2 »
فيتذهّب به ، وذلك هو الفضل الكبير .
وأما من أضاف الأفعال إلى اللّه تعالى بنظر التوحيد وإسقاط الإضافات ومحو الأسباب والمسببات - لا بمعنى خلق الأفعال فينا أو خلق قدرة وإرادة جديدتين متبائنتين
هامش
( 1 ) الحديث معروف عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وروى في التوحيد : باب القضاء والقدر ، 382 عن الصادق عليه السّلام أيضا .
( 2 ) التوحيد : باب نفي الجبر والتفويض : 362 . . الكافي : باب الجبر والقدر : 1 / 160 .