ورابعها : الافتخار بالحق والتشبث به دون أسباب الدنيا ،
ويروى إن علىّ ابن الحسين عليه السّلام جاء رجل عنده فقال : ما الزهد ؟
قال : الزهد عشرة أجزاء ، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين ، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا 160 ، وإن الزهد كله في آية واحدة من كتاب اللّه
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
« 1 »
وقيل لبزرجمهر : مالك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت ؟ فقال : لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة ، والآتي لا يستدام بالجبرة .
مكاشفة
قد وضح من هذه الآية إن كل ما وقع أو سيقع في هذا العالم مقدّر بهيئته وزمانه ، مكتوب بوصفه وخصوصيته في عالم آخر قبل وجوده ، فإن اشتبه عليك الحال في الأفعال المنسوبة إلى الاختيار وتخيّل إليك إنها على هذا التقدير يلزم أن تكون بالاضطرار ، فما بالنا نجد الفرق بين المضطر والمختار ؟ ولما ذا نتصرف فيها بالتدبير والتغيير ونصرّفها بالتقديم والتأخير ؟
ثم إذا كان الكلّ بالقضاء والقدر فلما ذا يؤاخذ بها ويعاقب عليها أو يوجر ويثاب بقصدها ؟ وما الفرق بين سهونا وعمدنا ؟ فكيف يتجّه المدح والذم لنا ؟ وأي فائدة للتكليف بالطاعات والعبادات ودعوة الأنبياء بالآيات والمعجزات ؟ وأي تأثير للسعي والجهد ؟ وأي توجيه للوعيد والوعد ؟ وما معنى الابتلاء في قوله تعالى :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ 67 / 2 ] وما لا يحصى من الآيات الدالة على أن مدار التكليف هو الاختيار وبناء الأمر في الاختبار على الاختيار ؟
هامش
( 1 ) مجمع البيان : 9 / 241 . وجاء الحديث بلا إشارة إلى الآية في الكافي : 2 / 12 .