وقال لكافة المؤمنين :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ 29 / 46 ] فأمره سبحانه وأمته بإيضاح طريق الحق بالجدل وكشف الحق عن الباطل ونهى عن التقليد وذمّ أهله ، وأمرهم بالمصير إلى النظر والمعرفة ، وخوفهم بالزجر عن اتباع الرجال السابقين وتقليد الاسلاف والمشايخ الماضين ، والقول في دينهم بغير دليل ، فقال سبحانه :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
[ 31 / 21 ] وقال أيضا في اخباره عن عدم امتثال هؤلاء وردهم إلى ما أتى به النبيّون ، فقال :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
[ 43 / 22 ] .
فتأمل كيف عيّرهم اللّه به وجعل من أعظم ذنوبهم تقليد الغير من غير استبصار ، وتركهم النظر والاعتبار ، فان الأدلة النافعة والحجج المقنعة أنفع شيء للسالك في طريق المعرفة ، إذ بممارسته يتأدى إلى البراهين الصحيحة والمشاهدات الصريحة لآيات اللّه .
فثبت بذلك أن المعارف اليقينية والعلوم الحكمية أساس الدين ورأس مال أهل اليقين ، الذي يتحد طريقه ويؤمن سالكه ويكفر تاركه ، ولا يعذر من أخطأ في اجتهاده وعدل عنه ، ولهذا
قال صلى اللّه عليه وآله : « ستفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة »
« 1 »
وبرواية : « كلها في النار الا واحدة »
« 2 »
وفي رواية : « قيل يا رسول اللّه وما تلك الواحدة ؟ قال : ما أنا عليه اليوم وأصحابي » .
وهذا بخلاف فروع الدين ، فإنها علوم متعلقة بكيفيّة الاعمال ، وهي في
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار : كتاب الفتن والمحن ، الباب 1 : 28 / 4 .
( 2 ) - المصدر السابق . الترمذي : 5 / 26 .