شيء ، والمادة والهيولي سنخ الشر ومنبع الفساد ، فالمركب منها ومن الصورة كيف يكون كمحض الصورة ؟ والظلام كيف يساوي النور ؟ والمحتاج إلى الازدواج ، المضطرّ في هفو الاختلاف كيف يرقى إلى درجة المستغني عنها ؟
أجابت الحنفاء عنه : بم عرفتم وجود هذه الروحانيّات ؟ والحسّ ما دلّكم عليه ، والدليل ما أرشدكم إليه ؟
فإن قالوا : عرفنا وجودها وتعرّفنا أحوالها من اغاثاذيمون وهرمس - يعني شيث وإدريس ع - .
قال الحنفاء : فقد ناقضتم مذهبكم في نفي المتوسّط البشري ، فصار نفيكم إثباتا وإنكاركم إقرارا .
ثمّ من الذي يسلّم إنّ المبدع من لا شيء أشرف من المخترع من شيء ؟ بل جانب الروحاني أثر واحد ، وجانب الجسماني أثران : أحدهما نفسه وروحه ، والآخر جسمه وجسده . فهو من حيث الروح مبدع بأمر الباري تعالى ، ومن حيث الجسد مخترع بخلقه ، ففيه أثران : أمريّ وخلقيّ ، قوليّ وفعليّ . فهذه المرتبة في الخلقة أفضل .
وإن فاضلتم بين الروحانيّ المجرّد والجسمانيّ المجرّد فالصدق معكم ، ولكن المفاضلة بين الروحانيّ المجرّد والمجتمع من الجهتين ، فلا يحكم عاقل بأنّ الفضل هنا للمجرّد .
* * * الثاني : نوع الإنسان لا يخلو من قوّتي الشهوة والغضب ، وهما تنزعان إلى البهيميّة والسبعيّة ، وتنازعان النفس إلى طباعهما من الحرص والأمل لأحدهما ، والكبر والحسد للآخر ، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة .
فكيف يماثل من هذه صفته نوع الملائكة المطهّرين عنهما وعن لوازمهما
تفسير القرآن الكريم — صفحة 21
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢١