فصل
اعلم إنّ اختصاص ( باللّه وباليوم الآخر ) بالذكر ، تخصيص لما هو المقصود الأعظم والكمال الأتمّ وهو العلم بأحوال المبدإ والعلم بأسرار المعاد ، وتسجيل بأنّهم مع خسّتهم ودناءة طبعهم ادّعوا إثبات أمر شريف عال لأنفسهم . وهو الحيازة للايمان من جانبيه والإحاطة بكلا قطريه .
وهاهنا دقيقة أخرى وهي الكشف عن إفراطهم في خبث الباطن وفساد الضمير وتماديهم في قبح الباطن وسوء السريرة ، حيث كان قولهم : آمنّا باللّه وباليوم الآخر ، خبثا متضاعفا وكفرا متراكما ، لأن القوم كانوا يهودا وكانوا يعتقدون في اللّه التشبيه واتّخاذ الولد ، وفي اليوم الآخر أن الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودا أو نصارى وأن النار لا تمسّهم إلّا أياما معدودة - إلى غير ذلك - فايمانهم باللّه واليوم الآخر كلا ايمان .
فهم منافقون فيما يظنّون إنّهم مخلصون ، فكيف بما يقصدون به النفاق ويرون المؤمنين أنّهم آمنوا مثل ايمانهم . فهم في خبث الباطن وسوء الضمير بحيث لو صدر منهم هذا القول لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم لم يكن ايمانا ، فلم يكونوا صادقين . كيف وقد صدر منهم تمويها على المسلمين وتهكّما بهم .
ولفظ « من » صالحة للجمع كما للواحد . كقوله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك فإنّه موحّد اللفظ مجموع المعنى . والعائد إليه يرجع عند التوحيد إلى اللفظ وعند الجمع إلى المعنى ففي قوله : من يقول آمنّا ، حصل فيه الأمران .
وتكرير الباء يدلّ على أن علم المبدإ وعلم المعاد كلّا منهما علم شريف برأسه ولا يلزم أن يكون داخلا في مقول قولهم . وإن كان داخلا فالمعنى ادعاؤهم الايمان بكلّ واحد مفصّلا على الاستحكام .
والقول مصدر معناه التلفّظ بما يفيد وقد يطلق على القضيّة الملفوظة وعلى صورتها