تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 2

مساهمون:

ص٢
فاعلموا إنّ الإنسان وهو أشرف الأكوان لمّا كان في أوّل تكوّنه في حدود السفالة والنقصان لكونه حاصلا من طبائع العناصر والأركان كسائر أنواع الحيوان وهي في مراتب التسفّل بالنسبة إلى سائر الجواهر والأعيان إلّا أنّ في ذاته قوّة الترّقي إلى حدّ الكمال والارتقاء إلى أنوار المبدإ المتعال والمهيمن الفعّال متخلّصا من الشّر والوبال صائرا أحد سكّان عالم النور متنعّما بنعيم الآخرة والسرور ، فلم يجز في العناية الإلهيّة إهماله في مراتع الشّهوات كالديدان والحشرات من غير هدى ، وتعطيله عمّا خلق لأجله وأن يترك سدى . وقد علم إنّ لكلّ شيء كما لا يخصّه لأجله خلق ، وفعلا يتمّمه إذا له وفّق . وكمال الإنسان بإدراك المقامات الإلهيّة ونيل المعارف الكليّة العقلّية مع التّجرد عن المحسوسات المادّية والزهد عن الدنيّات الدنيويّة والخلاص عن أسر الدّواعي النفسانيّة والانطلاق عن القيود الشّهويّة والغضبيّة . وهذه مما لا يتيسّر إلّا بالهداية والتعليم والتهذيب والتقويم ، فبعث اللّه عزّ وجل رسولا هاديا معلّما ، وأنزل إلينا كتابا إلهيّا محكما فيه جوامع العلوم الإلهيّة والأسرار الربانيّة والسنن والآداب العمليّة والأحكام السياسيّة ، ونزّله منجّما على حسب المصالح والأوقات . فجعله سورا وآيات ، كلّ سورة من سوره بحر مملوّ من جواهر المعاني والبيان ، بل فلك محشوّ من كواكب الحقائق والأعيان . وكلّ آية من آياته صدفة مكنونة فيها درر ثمينة قيمة كلّ منها روح الإنسان بل دريّ يتلألأ في سماء النبوّة والولاية والعرفان . فينبعث من لمعانه نور الهدى وحيوة الايمان . سيّما هذه السورة المشتملة مع وجازتها على مجامع آيات القرآن وجمل أسرار المبدإ والمعاد وأحوال الخلائق يوم الآخرة عند الرحمن . فاسمعوا بأسماع قلوبكم قراءة آيات اللّه ولينفذ في بواطنكم أنوار معجزة رسول اللّه فاتّقوا اللّه وأطيعوا كلمته بقلوب صافية وبصائر مجلوّة ومرائي نقيّة عن الرين والغشاوة ، واسمعوا حكمته واقبلوا قوله بنفوس سليمة عن الأمراض النفسانيّة وأسماع واعية خالية عن أقاويل المبتدعة الضالّة المضلّة الحائلة كالسحاب بين صفحة الباطن ونور شمس الحقيقة فمن لم يتّصل أنوار كلام الحقّ بطباعه أو لم يتحرّك بخواطره نحوه
تفسير القرآن الكريم — صفحة 2 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )