إلى المملكة والجدّ في خدمتها ورضاها ، فتركوها وسألوها الدلالة ، فجاءت بأمّ موسى ، فلما أخذته التقم ثديها ، ففرحت آسية لذلك ، وقالت لها : تكونين « 1 » معي في القصر . فقالت لها : ما كنت لأدع بيتي وولدى - تعنى هارون . ولكنه يكون عندي . فأحسنت آسية إليها غاية الإحسان ؛ واعتزّ بنو إسرائيل بهذا الوليد السعيد ، فهذا معنى رجوعه إلى أمّه ، وإقرار عينها ، وذهاب الحزن عنها .
وهذا كله من ثقتها بربها ، وتسليم الأمر إليه بعد امتثال أمره ؛ ولولا أن اللّه ربط على قلبها بالصّبر لكادت تبدى به ، لكن رجعت إلى ربها ، فجمع اللّه شملها به .
ويعقوب لما رجع في حفظ يوسف إلى أولاده وقولهم له : وإنا له لحافظون ، واطمأن إلى حفظهم ابتلاه اللّه بمفارقته . ولما زال عن حفظ إخوته ردّه اللّه إلى حفظه ، فقهر له العباد والبلاد ، وردّ عليه والده .
وأنت يا محمدي لو رجعت إلى اللّه وتوكلت عليه لحفظك في أهلك ومالك وولدك ، وجمع بينك وبين أحبتك يوم القيامة ، ولكنك أسأت الأدب ، واطمأننت إلى المخلوقين ، فكيف تطمع بنيل مرغوبك وقد أعرضت عنه ؟
فإن قلت : أي فرق بين « 2 » الرجوع في هذه الآية وفي آية القصص بالرد ؟
والجواب هما بمعنى واحد . ولما كان لفظ الرجوع ألطف خصّت به هذه الآية .
وعبّر في القصص بالرد لمناسبة قوله « 3 » :
« إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ »
.
( فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ )
« 4 » : لما خاف من قتل القبطي أمّنه اللّه بقوله « 5 » :
« لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
.
هامش
( 1 ) في ا : تكوني .
( 2 ) الرجوع في طه : 40 ، والرد في القصص : 13 ، وانظر الهامش السابق رقم 4 في الصفحة السابقة .
( 3 ) القصص : 7
( 4 ) طه : 40
( 5 ) القصص : 25