( فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا
[ 229 ب ]
الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )
« 1 » :
في هذه الآية دلالة على الوحدانية ، كأنّ اللّه يقول : أنتم لا تسوّون بين أنفسكم وبين عبيدكم ، ولا تجعلونهم شركاء لكم ، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي ؟
والآخر أنها عتاب وذمّ لمن لا يحسن إلى مملوكه حتى يرد ما رزقه اللّه عليه ، كما جاء في الحديث : " أطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون " . وفيها دليل على صحة إطلاق لفظ البعض على النصف وعلى أكثر منه ؛ لأن الفاضل أكثر رزقا من المفضول . وحكى الخلاف في البعض : هل يطلق على النصف أم لا ؟
فإن قلت : التفاوت إنما هو في الرزق التكميلى الزائد على ما يقيم الرّمق ويستر البدن . وأما الحاجىّ فهم فيه مع المماليك مستوون ؛ فهلا قيل : فما الذين فضّلوا برادّى فضل رزقهم ، كما قال « 2 » :
« وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ »
؟
والجواب : لو قيل : فما الذين فضلوا برادّى فضل رزقهم لكان فيه غثاثة لتكرار لفظ الفضل ثلاث مرات ؛ وهذا يقال له في علم البيان الاستخدام ؛ وهو أن يعبّر باللفظ عن غيره خوف السآمة والملل . وأيضا فضل الرزق أخصّ من الرزق ؛ فاستعمل الأخص في الثبوت ، والأعم في النفي ؛ لأن نفى الأعمّ يستلزم نفى الأخص .
فإن قلت : لفظ الردّ يقتضى سابقية : الملك والحوز ؛ والمماليك لم يكن لهم ذلك بوجه ؛ فهلا قيل : فما الذين فضّلوا بمعطين رزقهم لما ملكت أيمانهم ؟
هامش
( 1 ) النحل : 71
( 2 ) النحل : 71