[ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 34 إلى 36 ]
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 )
وقوله تعالى :
كَلَّا
ردع عن التكذيب ، وقيل : معناها حقا كما مرّ . وقال البيضاوي : تكرير للأوّل ليعقب بوعد الأبرار كما عقب بوعيد الفجار إشعار بأنّ التطفيف فجور والإيفاء برّ ، وردع عن التكذيب
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ
أي : كتب أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم
لَفِي عِلِّيِّينَ
وعليون علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته صلحاء الثقلين ، منقول من جمع فعيل من العلو كسجين من السجن ، سمي بذلك إمّا لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة ، وإمّا لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له وتعظيما . وروي « أنّ الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه ، وإنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين ، وقد غفرت له وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على قلبه ، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين » « 1 » . وعن البراء مرفوعا : « عليين في السماء السابعة تحت العرش » « 2 » . وقال ابن عباس : هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش ، أعمالهم مكتوبة فيها . وقال كعب وقتادة : هو قائمة العرش اليمنى . وقال عطاء عن ابن عباس : هو الجنة . وقال الضحاك : سدرة المنتهى . وقال بعض أهل المعاني علو بعد علو وشرف بعد شرف ، ولذلك جمعت بالياء والنون . قال الفراء : هو اسم موضع على صيغة الجمع لا واحد له من لفظه مثل عشرين وثلاثين .
وَما أَدْراكَ
أي : جعلك داريا وإن بالغت في الفحص
ما عِلِّيُّونَ
أي : ما كتاب عليين هو
كِتابٌ
أي : عظيم
مَرْقُومٌ
أي : فيه أنّ فلانا أمن من النار ، رقما يا له من رقم ما أبهاه وأجمله .
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
يحضرونه فيشهدون على ما فيه يوم القيامة ، أو يحفظونه .
ولما عظم كتابهم عظم منزلتهم بقوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ
أي : في الجنة ثم بين ذلك النعيم بأمور ثلاثة : أوّلها : قوله تعالى :
عَلَى الْأَرائِكِ
أي : الأسرة في الحجال ، ولا يسمى أريكة إلا إذا كان كذلك ، والحجال بكسر الحاء جمع حجلة ، وهي بيت يزين بالثياب والستور والأسرة ، قاله الجوهري .
يَنْظُرُونَ
أي : إلى ما شاؤوا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة ، وإلى ما أولاهم الله تعالى من النعمة والكرامة ، وإلى أعدائهم يعذبون في النار ، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك . وقال الرازي : ينظرون إلى ربهم بدليل قوله تعالى :
تَعْرِفُ
أي :
أيها الناظر إليهم
فِي وُجُوهِهِمْ
عند رؤيتهم
نَضْرَةَ النَّعِيمِ
أي : بهجته وحسنه ورونقه كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه ، أو الخطاب إمّا للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم أو لكل ناظر ، وقال الحسن : النضرة في الوجه والسرور في القلب وهذا هو الأمر الثاني .
وأمّا الثالث فهو قوله تعالى :
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ
أي : خمر صافية طيبة وقال مقاتل : الخمر البيضاء . وقال الرازي : لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى :
لا فِيها غَوْلٌ
[ الصافات : 47 ]
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 183 .
( 2 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 262 .