تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
بيان أو خبر مبتدأ مضمر ، أي : هو عالم الغيب كله وهو ما لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو مختص بعلمه سبحانه فلذلك سبب عنه قوله تعالى :
فَلا يُظْهِرُ
أي : بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات .
عَلى غَيْبِهِ
الذي غيبه عن غيره فهو مختص به
أَحَداً
لعزة علم الغيب ولأنه خاصة الملك .
إِلَّا مَنِ ارْتَضى
وقوله تعالى :
مِنْ رَسُولٍ
تبيين لمن ارتضى ، أي : إلا من يصطفيه لرسالته ونبوّته فيظهره على ما يشاء من الغيب ، وتارة يكون ذلك الرسول ملكا ، وتارة يكون بشرا ، وتارة يظهره على ذلك بواسطة ملك ، وتارة بغير واسطة كموسى عليه السلام في أوقات المناجاة ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج في العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى . وقال القرطبي : المعنى
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه لأنّ الرسل مؤيدون بالمعجزات ، ومنها الإخبار عن بعض المغيبات كما ورد في التنزيل في قوله تعالى :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
[ آل عمران : 49 ] . وقال الزمخشري : في هذه الآية إبطال الكرامات لأنّ الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل ، وقد خص الله تعالى الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب ، وفيها إبطال الكهانة والتنجيم لأنّ أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط ا . ه . وإنكار الكرامات مذهب المعتزلة . وأمّا مذهب أهل السنة فيثبتونها ، فإنه يجوز أن يلهم الله تعالى بعض أوليائه وقوع بعض الوقائع في المستقبل فيخبر به وهو من اطلاع الله إياه على ذلك ، ويدل على صحة ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء وإن يكن في أمّتي أحد فإنه عمر » « 1 » أخرجه البخاري . قال ابن وهب : تفسير محدثون ملهمون ولمسلم عن عائشة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول : « في الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن في أمّتي منهم أحد ، فإنّ عمر بن الخطاب منهم » « 2 » ففي هذا إثبات كرامات الأولياء . فإن قيل : لو جازت الكرامة للولي لما تميزت معجزة النبي من غيرها وانسدّ الطريق إلى معرفة الرسول من غيره ؟ أجيب : بأنّ معجزة النبي أمر خارق للعادة مع عدم المعارضة مقترن بالتحدّي ، ولا يجوز للولي أن يدّعي خرقا للعادة مع التحدّي إذ لو ادعاه الولي لكفر من ساعته فبان الفرق بين المعجزة والكرامة . وأمّا الكهانة وما ضاهاها فقال القرطبي : إنّ العلماء قالوا لما تمدّح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل ، فأعلمهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم ، وليس المنجم ومن ضاهاه ومن يضرب بالحصا وينظر في الكواكب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه ، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه . قال بعض العلماء : وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان مختلفي الأحوال والرتب ، فيهم الملك والسوقة والعالم والجاهل والغني والفقير والكبير والصغير مع اختلاف طوالعهم وتباين مواليدهم ودرجات نجومهم ، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة ، فإن
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3469 ، وانظر الحاشية التالية . ( 2 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 2398 ، والترمذي في المناقب حديث 3693 .