تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
بالصبر ولا يعجل .
وَلا تَكُنْ
أي : ولا يكن حالك يا أشرف الخلق في الضجر والعجلة
كَصاحِبِ
أي : كحال صاحب
الْحُوتِ
وهو يونس عليه السلام . وقوله تعالى :
إِذْ
منصوب بمضاف محذوف ، أي : ولا يكن حالك كحاله أو قصتك حين
نادى
أي : ربه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ما يحيط به من الجثة وظلمة اللجج
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ،
ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصبّ عليها النهي إنما ينصب على أحوالها وصفاتها ، وقوله تعالى :
وَهُوَ مَكْظُومٌ
جملة حالية من الضمير من نادى والمكظوم الممتلئ حزنا أو غيظا ، ومنه كظم السقاء إذا ملأه ، قال ذو الرمة « 1 » :
وأنت من حب ميّ مضمر حزنا * غالي الفؤاد قريح القلب مكظوم
وقال القرطبي : ومعنى وهو مكظوم ، أي : مملوء غما . وقيل : كربا فالأول قول ابن عباس ومجاهد ، والثاني : قول عطاء وأبي مالك . قال الماوردي : والفرق بينهما أن الغم في القلب والكرب في الأنفاس . وقيل : مكظوم : محبوس ، والكظم : الحبس . ومنه قولهم : كظم غيظه ، أي : حبس غضبه . والمعنى : لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة فتبلى ببلائه . ولما تشوف السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال تعالى :
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ
أي : أدركه إدراكا عظيما
نِعْمَةٌ
أي : عظيمة جدا . تنبيه : حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه .
مِنْ رَبِّهِ
أي : الذي أحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه والرحمة . وقال الضحاك : النعمة هنا النبوة ، وقال ابن جبير : عبادته التي سلفت ، وقال ابن زيد : نداؤه بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ،
وقال ابن بحر : إخراجه من بطن الحوت . وقوله تعالى :
لَنُبِذَ
أي : لولا هذه الحالة السنية التي أنعم الله تعالى عليه بها لطرح طرحا هينا جدا
بِالْعَراءِ
أي : الأرض القفراء الواسعة التي لا بناء فيها ولا جبال ولا نبات ، البعيدة عن الإنس جواب لولا . وقيل : جوابها مقدر ، أي : لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت
وَهُوَ
أي : والحال أنه
مَذْمُومٌ
أي : ملوم على الذنب . وقيل : مبعد من كل خير . وقال الرازي : وهو مذموم على كونه فاعلا للذنب ، قال : والجواب من ثلاثة أوجه : الأول : إن كلمة لولا دالة على أن هذه المذمومية لم تحصل . الثاني : لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين . الثالث : لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله تعالى :
فَاجْتَباهُ
أي : اختاره لرسالته
رَبُّهُ
والفاء للتعقيب ، قيل : إن هذه الآية نزلت بأحد حين حلّ برسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما حل ، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا ، وقيل : حين أراد أن يدعو على ثقيف . ثم سبب عن اجتبائه قوله تعالى :
فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
أي : الذين رسخوا في رتبة الصلاح فصلحوا في أنفسهم للنبوة والرسالة ، وصلح بهم غيرهم فنبذ حينئذ بالعراء وهو محمود . قال ابن عباس : ردّ الله تعالى إليه الوحي وشفعه في نفسه وفي قومه وقبل توبته وجعله من الصالحين بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون بسبب صبره ، فمن صبر أعظم من صبره كان أعظم أجرا من أجره وأنت كذلك فأنت أشرف العالمين .
هامش
( 1 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان ذي الرمة ص 389 .