تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
إليه راجعون ، قاله ابن جبير .
وَاللَّهُ
أي : الملك الذي لا نظير له
بِكُلِّ شَيْءٍ
مطلقا من غير استثناء
عَلِيمٌ
فلا يخفى عليه تسليم من انقاد لأمره ، فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح عنه كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة .
وَأَطِيعُوا اللَّهَ
أي : الملك الأعلى الذي له الأمر كله
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
أي : هونوا على أنفسكم المصائب واشتغلوا بطاعة الله تعالى ، واعملوا بكتابه وأطيعوا الرسول في العمل بسنته
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أي : عن الطاعة
فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا
أضافه إليه على وجه الكمال تعظيما له وتهديدا لمن يتولى عنه
الْبَلاغُ الْمُبِينُ
أي : الظاهر في نفسه المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاح ، ولم يدع لبسا ، وليس إليه خلق الهداية في القلوب .
اللَّهُ
أي : المحيط بجميع صفات الكمال
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
فهو القادر على خلق الهداية في القلوب والإقبال بها لا يقدر على ذلك غيره
وَعَلَى اللَّهِ
أي : الذي له الأمر لا على غيره
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
أي : لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك . وقال الزمخشري : هذا بعث لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم على التوكل عليه ، والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه . واختلف في سبب نزول قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ
أي : وإن أظهرن غاية المودة
وَأَوْلادِكُمْ
أي : وإن أظهروا غاية الشفقة
عَدُوًّا لَكُمْ
فقال ابن عباس : نزلت بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي شكا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم جفاء أهله وولده فنزلت ذكره النحاس ، وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ
فإنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغزو بكوه ورققوه ، وقالوا : إلى من تدعنا فيرق فيقيم ، فنزلت هذه الآية إلى آخر السورة بالمدينة . وروى الترمذي عن ابن عباس وسئل عن هذه الآية قال : هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة ، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم رأوا الناس قد تفقهوا في الدين ، فهموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى هذه الآية « 1 » ، حديث حسن صحيح . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الشيطان قعد لابن آدم في طرق الإيمان فقال له : أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه فآمن ، ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له : أتهاجر وتترك أهلك ومالك فخالفه فهاجر ، ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له : أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل ، فحق على الله أن يدخله الجنة » « 2 » . وقعود الشيطان يكون بوجهين : أحدهما : يكون بالوسوسة ، والثاني : أن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب قال تعالى :
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
[ فصلت : 25 ] وفي حكمة عيسى عليه الصلاة والسلام : من اتخذ أهلا ومالا وولدا كان في الدنيا
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3317 . ( 2 ) روي الحديث بلفظ : « إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه . . . » أخرجه بهذا اللفظ النسائي في الجهاد باب 19 ، وأحمد في المسند 3 / 483 .