تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
الخصوم يطلبون ذلك ، ولم يبق لي ما أوفي ، فتقول المرأة : يا رب وما عسى أن يقول اكتسبه حراما وأكلته حلالا ، وعصاك في مرضاتي ولم أرض له بذلك فبعدا له وسحقا ، فيقول الله تعالى : قد صدقت فيؤمر به إلى النار ويؤمر بها إلى الجنة ، فتطلع عليه من طبقات الجنة فتقول له : غبناك غبناك سعدنا بما شقيت أنت به ، فذلك يوم التغابن » « 1 » . وقال بعض علماء الصوفية : إن الله تعالى كتب الغبن على الخلق أجمعين فلا يلقى أحد ربه إلا مغبونا ، لأنه لا يمكنه الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان مسيئا إن لم يحسن ، وإن كان محسنا إن لم يزدد » « 2 » . تنبيه : استدل بعض العلماء بقوله تعالى :
ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ
أنه لا يجوز الغبن في المعاملات الدنيوية لأن الله تعالى خص التغابن بيوم القيامة فقال تعالى :
ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ
وهذا الاختصاص يفيد أن لا غبن في الدنيا ، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث ، واختاره البغداديون واحتجوا عليه بقوله صلى اللّه عليه وسلم لحسان بن سعد : « إذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا » « 3 » ولأن الغبن في الدنيا ممنوع منه بالإجماع في حكم الدين إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه ، فمضى في البيوع إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا لأنه لا يخلو منه ، فإذا كان كثيرا أمكن الاحتراز عنه فوجب الرد به . والفرق بين القليل والكثير في الشريعة غير معلوم فقدر بالثلث ، وهذا الحد اعتبره الشارع في الوصية وغيرها ، ويكون معنى الآية على هذا يوم التغابن الجائز مطلقا من غير تفصيل ، وذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا
وَمَنْ يُؤْمِنْ
أي : يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار
بِاللَّهِ
أي : الملك الأعظم الذي لا كفء له
وَيَعْمَلْ
تصديقا لإيمانه
صالِحاً
أي : عملا هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب المصالح ودفع المضار
يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ
التي غلبه عليها نقصان الطبع واتبع ذلك الحامل الآخر ، وهو التوجيه بجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء ، والرهبة والرغبة ، والنذارة والبشارة
وَيُدْخِلْهُ
أي : رحمة له وإكراما وفضلا
جَنَّاتٍ
أي : بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها ورياض مديدة متنوعة الأزاهير عطرة النشر بهيج ريها ، وأشار إلى دوام ريها بقوله تعالى :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
أي : من تحت قصورها وأشجارها
الْأَنْهارُ
وقرأ نكفر عنه وندخله ، نافع وابن عامر بالنون فيهما ، أي : نحن بما لنا من العظمة ، والباقون بالياء التحتية ، أي : الله الواحد القهار
خالِدِينَ
أي : مقدرين الخلود
فِيها
وأكده بقوله :
أَبَداً
فلا خروج لهم منها
ذلِكَ
أي : الأمر العالي جدا من الغفران والإكرام
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
لأنه جامع لجميع المصالح ودفع المضار وجلب المسار ، ومن جملة ذلك النظر إلى وجه الله الكريم .
هامش
( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 137 . ( 2 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 18 / 137 . ( 3 ) أخرجه البخاري في البيوع حديث 2117 ، ومسلم في البيوع حديث 1533 ، وأبو داود في البيوع حديث 3500 ، والترمذي في البيوع حديث 1250 ، والنسائي في البيوع حديث 4484 ، وابن ماجة في الأحكام حديث 2354 .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 328 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين