تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
المعاصي لاقترانه بالتهديد والوعيد ، قال معناه الزمخشري
إِنَّ اللَّهَ
أي : الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا
خَبِيرٌ
أي عظيم الاطلاع على ظواهركم وبواطنكم والإحاطة
بِما تَعْمَلُونَ
فلا تعملون عملا إلا كان بمرأى من ومسمع فاسحيوا منه .
وَلا تَكُونُوا
أيها المحتاجون إلى التحذير وهم الذين آمنوا
كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ
أي : أعرضوا عن أوامر ونواهي الملك الأعظم ، وتركوهها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ما له من صفات الجلال والإكرام
فَأَنْساهُمْ
أي : فتسبب عن ذلك أن أنساهم بما له من الإحاطة بالظواهر والبواطن
أَنْفُسَهُمْ
أي : فلم يقدموا لها ما ينفعها ، وإن قدموا شيئا كان مشوبا بالمفسدات من الرياء والعجب فكانوا ممن قال فيه تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ
[ الغاشية ، الآيتان : 2 - 3 ] الآية لأنهم لم يدعوا بابا من أبواب الفسق ، فإنّ رأس الفسق الجهل بالله ، ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس فأعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه
أُولئِكَ
أي : البعداء من كل خير
هُمُ الْفاسِقُونَ
أي : العريقون في المروق من دائرة الدين .
لا يَسْتَوِي
أي : بوجه من الوجوه
أَصْحابُ النَّارِ
أي : التي هي محل الشقاء الأعظم
وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ
أي : التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في الآخرة ، واستدل بهذه الآية على أنّ المسلم لا يقتل بالكافر
أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ
أي : الناجون من كل مكروه المدركون لكل محبوب ، وأصحاب النار هم الهالكون في الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من المنافقين فشتان ما بينهما .
لَوْ أَنْزَلْنا
أي : بعظمتنا التي أبانها هذا الإنزال
هذَا الْقُرْآنَ
أي : الجامع لجميع العلوم الفارق بين كل ملتبس المبين لجميع الحكم
عَلى جَبَلٍ
أي جبل كان ، أو جبل فيه تمييز كالإنسان
لَرَأَيْتَهُ
يا أشرف الخلق وإن لم يتأهل غيرك لتلك الرؤية
خاشِعاً
أي : متذللا باكيا
مُتَصَدِّعاً
أي : متشققا غاية التشقق
مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
أي : من الخوف العظيم ممن له الكمال كله ، وفي هذا حث على تأمّل مواعظ القرآن وتدبر آياته
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ
أي : التي لا يضاهيها شيء
نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
فيؤمنون . والمعنى : أنا لو أنزلنا هذا القرآن على الجبل لخشع لوعده ، وتصدع لوعيده ، وأنتم أيها المشهورون بإعجازه لا ترغبون في وعده ولا ترهبون من وعيده ، والغرض من هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار وغلظ طباعهم ، ونظيره
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
[ البقرة : 74 ] وقيل الخطاب للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، أي : لو أنزلنا هذا القرآن يا محمد على جبل لما ثبت وتصدّع من نزوله عليه ، وقد أنزلناه عليك وثبتناك له فيكون ذلك امتنانا عليه أن ثبته لما لم تثبت له الجبال . وقيل : إنه خطاب للأمة ، والمعنى : لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدّعت من خشية الله تعالى ، والإنسان أقل قوة وأكثر ثباتا فهو يقوم بحقه إن أطاع ، ويقدر على ردّه إن عصى لأنه موعود بالثواب ومزجور بالعقاب . ولما وصف تعالى القرآن بالعظم ، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف أتبع ذلك بوصف عظمته تعالى ، فقال عز من قائل :
هُوَ
أي : الذي وجوده من ذاته فلا عدم له بوجه من الوجوه ، فلا شيء يستحق الوصف بهو غيره لأنه الموجود دائما أزلا وأبدا فهو حاضر في كل ضمير