أَلِيمٌ
أي : شديد الإيلام وروي أنها كانت تحمل الفسطاط فترفعه في الجوّ ، وتحمل الظعينة في الجوّ ، فترفعها وهودجها حتى ترى كأنها جرادة وكانوا يرون ما كان خارجا عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض ، ثم تقذف بهم .
ثم وصف تلك الريح . بقوله تعالى :
تُدَمِّرُ
أي : تهلك إهلاكا عظيما شديدا .
كُلَّ شَيْءٍ
أي : أتت عليه من الحيوان والناس وغيرهما ، هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه السلام ومن آمن به ، فسلامته أمر خارق للعادة . كما أنّ أمرها في إهلاك كل ما مرّت عليه أمر خارق للعادة .
بِأَمْرِ رَبِّها
أي : المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام من أعدائه .
فإن قيل : ما فائدة إضافة الرب إلى الريح أجيب : بأنّ فائدة ذلك : الدلالة على أنّ الريح وتصريف أعنتها ، مما يشهد بعظيم قدرته لأنها من أعاجيب خلقه ، وأكابر جنوده . وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه فليس من تأثير الكواكب والقرانات .
قيل : إنّ أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم ، قالت : رأيت ريحا فيها كشهب النار . وروي :
أنّ أوّل ما عرفوا به أنه عذاب أليم : أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم ، وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأمال الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام ، لهم أنين ثم أمر الله تعالى الريح ، فكشفت عنهم الرمال ، وحملتهم ، فرمت بهم في البحر .
وروي : أن هودا عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع وكانت الريح التي تصيبهم ريحا طيبة هادئة ، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء وتضربهم على الأرض .
وعن ابن عباس اعتزل هود ومن معه في حظيرة ، ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود وتلذه الأنفس . وإنها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض ، وتدمغهم بالحجارة . وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه « قال صلّى اللّه عليه وسلم " ما أمر الله تعالى خازن الريح أن يرسل على عاد إلا مقدار الخاتم وذلك القدر أهلكهم بكليتهم » « 1 » .
كما قال تعالى :
فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ
أي : فجاءتهم الريح فدمّرتهم ، فأصبحوا بحيث لو خضت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم . وقرأ عاصم وحمزة : بالياء التحتية المضمومة ورفع النون من مساكنهم ، لقيامه مقام الفاعل . والباقون : بالتاء الفوقية مفتوحة مبنيا للفاعل ، ونصب مساكنهم مفعولا به . وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين ، وأبو عمرو وحمزة والكسائي محضة .
وكذلك من
الْقُرى
كَذلِكَ
أي : مثل هذا الجزاء الهائل ؛ في أصله ، أو جنسه ، أو نوعه ، أو شخصه من الإهلاك .
نَجْزِي
بعظمتنا دائما إذا شئنا
الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
أي : العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه الشنيع « وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا رأى الريح فزع وقال : « اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به ، وإذا رأى مخيلة أي : سحابة . قام وقعد ، وجاء وذهب ، وتغير لونه ، فنقول له : يا رسول الله ما تخاف ؟ فيقول : إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا : هذا
هامش
( 1 ) أخرجه السيوطي في الحبائك في الملائك 94 ، بلفظ : « ما أمرت الخزان أن يرسلوا على عاد . . . » .