تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 698

مساهمون:

ص٦٩٨
ولما ذكر سبحانه وتعالى وعيد الكفار أردفه بآيات الوعد فقال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ
أي : العريقين في هذا الوصف
فِي مَقامٍ
أي : موضع إقامة لا يريد الحال فيه تحولا عنه
أَمِينٍ
أي : يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم أي : في مجلس أمين ، والباقون بضمها على المصدر أي : في إقامة وقوله تعالى :
فِي جَنَّاتٍ
أي : بساتين تقصر العقول عن إدراك كل وصفها ، بدل من قوله تعالى في مقام أمين أو خبر ثان وقرأ
وَعُيُونٍ
ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين ، والباقون بضمها . ولما كان لا يتم العيش إلا بكسوة البدن أشار إلى ذلك بقوله تعالى :
يَلْبَسُونَ
ودل على الكثرة جدا بقوله تعالى :
مِنْ سُندُسٍ
وهو ما رق من الحرير يعمل وجوها
وَإِسْتَبْرَقٍ
هو ما غلظ منه يعمل بطائن ، وسمي بذلك : لشدة بريقه وقوله تعالى :
مُتَقابِلِينَ
أي : في مجلسهم ليستأنس بعضهم ببعض حال وقوله :
يَلْبَسُونَ
حال من الضمير المستكن في الجار أو خبر ثان فيتعلق الجار به أو مستأنف ، فإن قيل : الجلوس على هذه الهيئة موحش لأن كل واحد منهم يصير مطلعا على ما يفعل الآخر وأيضا فقليل الثواب إذا طلع على كثيره ينغص عليه ؟ أجيب : بأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا وقد قال تعالى
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
[ الأعراف : 43 ] . وقوله تعالى :
كَذلِكَ
يجوز فيه وجهان ؛ أحدهما : النصب نعتا لمصدر أي : نفعل بالمتقين فعلا كذلك أي : مثل ذلك الفعل ، ثانيهما : الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر كذلك . ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال تعالى :
وَزَوَّجْناهُمْ
أي : قرناهم كما تقرن الأزواج وليس المراد به العقد لأن فائدة العقد الحل والجنة ليست بدار تكليف من تحليل أو تحريم
بِحُورٍ
أي : جوار بيض حسان نقيات الثياب
عِينٍ
أي : واسعات الأعين قال البيضاوي : واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرهن . ولما كان الشخص في الدنيا يخشى كلف النفقات وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال تعالى :
يَدْعُونَ
أي : يطلبون طلبا هو غاية المسرة
فِيها
أي : الجنة أي : يؤتون
بِكُلِّ فاكِهَةٍ
أي : لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف لبعد مكان ولا فقدان ولا غير ذلك من الشأن ، وفي ذلك إيذان بأنه مع سعته ليس فيه شيء لإقامة البنية وإنما هو للتفكه والتلذذ حال كونهم مع ذلك
آمِنِينَ
في غاية الأمن من كل مخوف .
لا يَذُوقُونَ فِيهَا
أي : الجنة
الْمَوْتَ
لأنها دار خلود لا دار فناء وقوله تعالى
إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
فيه أوجه ؛ أحدها : أنه استثناء منقطع أي : لكن الموتة الأولى قد ذاقوها ، ثانيها : أنه متصل وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يصير بلطف الله كأنه في الجنة لاتصاله بأسبابها ومشاهدته إياها وما يعطاه من نعيمها فكأنه مات فيها ، ثالثها : أن إلا بمعنى سوى أي : سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا كما في قوله تعالى :
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
[ النساء : 22 ] أي : سوى ما قد سلف ، رابعها : أن إلا بمعنى بعد ، أي : لا يذوقون فيها الموت بعد الموتة الأولى في الدنيا واختاره الطبري لكن نوزع بأن إلا بمعنى بعد لم يثبت وقد يجاب : بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، خامسها : قال الزمخشري : أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله :
إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى
موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل : إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 698 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين