تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
ثم نبه على قوة ضلالهم وشدة جهالتهم فقال تعالى :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
أي : الملك المحيط بكل شيء
فَما لَهُ مِنْ هادٍ
أي : إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه . تنبيه : في قراءة هاد ما تقدم في قوله :
مِنْ واقٍ
[ الرعد : 34 ] . ولما قال لهم مؤمن آل فرعون :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
ذكر لهم مثالا بقوله تعالى :

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 34 إلى 49 ]

وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ( 34 ) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ ( 37 ) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 ) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 ) وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ( 47 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ ( 48 ) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ ( 49 ) .
وَلَقَدْ جاءَكُمْ
أي : جاء آباءكم يا معشر القبط ، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد ومن أنهم على طبعهم لا سيما أن كانوا لم يفارقوا مساكنهم
يُوسُفُ
أي : نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام
مِنْ قَبْلُ
أي : قبل زمن موسى عليه السّلام
بِالْبَيِّناتِ
أي : الآيات الظاهرات لا سيما في أمر يوم التناد
فَما زِلْتُمْ
أي : ما برحتم أنتم تبعا لآبائكم
فِي شَكٍّ
أي : محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن
مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ
من التوحيد ، وقال ابن عباس : من عبادة الله وحده لا شريك له فلم تنتفعوا البتة بتلك البينات ودل على تمادي شكهم بقوله تعالى :
حَتَّى إِذا هَلَكَ
فهو غاية أي : فما زلتم في شك حتى هلك
قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ
أي : الذي له صفات الكمال
مِنْ بَعْدِهِ
أي : يوسف عليه السّلام
رَسُولًا
أي : أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة ، وهذا ليس إقرارا منهم برسالته بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته والتكذيب برسالة من بعده وقوله تعالى :
كَذلِكَ
خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر كذلك أو مثل هذا الضلال
يُضِلُّ اللَّهُ
أي : بما له من صفات القهر
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
أي : مشرك متغال في الأمور خارج عن الحدود
مُرْتابٌ
أي : شاك فيما تشهد به البينات بغلبة الوهم والانهماك في التقليد .
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 577 | الخطيب الشربيني / إبراهيم شمس الدين