تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
بما كان لهم فيها من عجائب الآثار فقال عز من قائل :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
أي : في أي أرض ساروا فيها
فَيَنْظُرُوا
أي : نظر اعتبار كما هو شأن أهل البصائر
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ
أي : آخر أمر
الَّذِينَ كانُوا
أي : سكانا للأرض عريقين في عمارتها
مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : قبل زمانهم من الكفار كعاد وثمود
كانُوا هُمْ
أي : المتقدمون لما لهم من القوة الظاهرة والباطنة
أَشَدَّ مِنْهُمْ
أي : من هؤلاء
قُوَّةً
أي : ذوات ومعاني وإنما جيء بالفصل وحقه أنه يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من المعرفة في امتناع دخول اللام عليه ، وقرأ ابن عامر منكم بكاف والباقون بهاء الغيبة
وَ
أشد
آثاراً فِي الْأَرْضِ
لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليه ألوف من السنين ، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن ومع قوتهم
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ
أي : الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة
بِذُنُوبِهِمْ
أي : بسببها
وَما كانَ لَهُمْ
من شركائهم الذين ضلوا بهم هؤلاء ومن غيرهم
مِنَ اللَّهِ
أي : المتصف بجميع صفات الكمال
مِنْ واقٍ
أي : يقيهم عذابه والمعنى : أن العاقل من اعتبر بغيره وأن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء ، ولما كذبوا رسلهم أهلكهم الله تعالى عاجلا ، وقرأ ابن كثير في الوقف بالياء بعد القاف والباقون بغير ياء واتفقوا على التنوين في الوصل . ثم ذكر تعالى سبب أخذهم بقوله تعالى :
ذلِكَ
أي : الأخذ العظيم
بِأَنَّهُمْ
أي : الذين كانوا من قبل
كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي : الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا يسع منصفا إنكارها ، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها . ولما كان مطلق الكفر كافيا في العذاب عبر بالماضي فقال تعالى :
فَكَفَرُوا
أي : سببوا عن إتيان الرسل عليهم السلام إليهم الكفر بهم
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ
أي : الملك الأعظم أخذ غضب
إِنَّهُ قَوِيٌّ
أي : متمكن مما يريد غاية التمكن
شَدِيدُ الْعِقابِ
لا يؤبه بعقاب دون عقابه . ولما سلّى تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء عليهم السلام قبله وبمشاهدة آثارهم ، سلّاه أيضا بذكر قصة موسى عليه السّلام المذكورة في قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا
أي : على ما لنا من العظمة
مُوسى بِآياتِنا
أي : الدالة على جلالنا
وَسُلْطانٍ
أي : أمر قاهر عظيم جدا لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه
مُبِينٍ
أي : بين في نفسه يتبين لكل من يمكن اطلاعه عليه أنه ظاهر ، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول إلى أذاه مع ما له من القوة والسلطان .
إِلى فِرْعَوْنَ
أي : ملك مصر
وَهامانَ
أي : وزيره
وَقارُونَ
أي : قريب موسى
فَقالُوا
أي : هؤلاء ومن معهم هو
ساحِرٌ
لعجزهم عن مقاهرته أما من عدا قارون فأولا وآخرا بالقوة والفعل ، وأما قارون ففعله آخرا بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولا ، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله في النية ، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلا به لأنه لم يتب منه ثم وصفوه بقولهم :
كَذَّابٌ
لخوفهم من تصديق الناس له .
فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ
أي : بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه كائنا
مِنْ عِنْدِنا
على ما لنا من القهر فآمن معه طائفة من قومه
قالُوا
أي : فرعون وأتباعه
اقْتُلُوا
أي : قتلا حقيقيا بإزالة الروح
أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا
به أي : فكانوا
مَعَهُ
أي : خصوهم بذلك واتركوا من عداهم فلعلهم يكذبونه
وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ
أي : اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن ، قال قتادة : هذا غير القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان ، فلما بعث موسى عليه السّلام أعاد القتل