تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
على الحق قال تعالى مقيدا للكلام :
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
أي : الراسخين في صفة الإيمان
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا
أي : بغير شيء واقعوه متعمدين له حتى أباح أذاهم
فَقَدِ احْتَمَلُوا
أي : كلفوا أنفسهم أن حملوا
بُهْتاناً
أي : كذبا وفجورا زائدا على الحد موجبا للجزاء في الدنيا والآخرة
وَإِثْماً مُبِيناً
أي : ذنبا ظاهرا جدا موجبا للعقاب في الآخرة . تنبيه : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه ويسمعونه ، وقيل : نزلت في شأن عائشة وقال الضحاك والكلبي : نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طريق المدينة يبتغون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة ، فإن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها ، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدا ، يخرجن في درع وخمار الحرة والأمة ، فشكوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
الآية . ثم نهى الحرائر أن يشتبهن بالإماء بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ
ذكره بالوصف الذي هو منبع المعرفة والحكمة
قُلْ لِأَزْواجِكَ
بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح
وَبَناتِكَ
ثنى بهن لما لهن من الوصلة ، ولهن من القسمين من الشرف وآخرهن عن الأزواج لأن أزواجه يكفونه أمرهن
وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ
أي : يقربن
عَلَيْهِنَّ
أي : على وجوههن وجميع أبدانهن فلا يدعن شيئا منها مكشوفا
مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
ولا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظنا أن ذلك أخفى لهن وأستر ، والجلباب القميص وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة ، والملحفة : ما ستر اللباس ، والخمار : وهو كل ما غطى الرأس وقال البغوي : الجلباب الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار ، وقال حمزة الكرماني ، قال الخليل : كل ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب والكل تصح إرادته هنا ، فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي بدنها ورجليها ، وإن كان يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها ، وإن كان المراد ما يغطي الثياب فإدناؤه تطويله وتوسيعه بحيث يستر جميع بدنها وثيابها ، وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين وقال ابن عباس وعبيدة : أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر . ولما أمر تعالى بذلك علله بقوله تعالى :
ذلِكَ
أي : الستر
أَدْنى
أي : أقرب من تركه في
أَنْ يُعْرَفْنَ
أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء
فَلا
أي : فتسبب عن معرفتهن أن لا
يُؤْذَيْنَ
ممن يتعرضن للإماء فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من الأنباء الإلهية قال ابن عادل : ويمكن أن يقال : المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة أي : في الصلاة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها ، فبفرض أنهن مستورات لا يمكن طلب الزنا منهن انتهى . ولما رقاهن تعالى لهذا الأمر خفف عاقبة ما كن فيه من التشبيه بالإماء فأخبرهن تعالى بوسع كرمه وجوده بقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ
أي : الذي له الكمال المطلق أزلا وأبدا
غَفُوراً
أي : لما سلف منهن من ترك الستر فهو محاء للذنوب عينا وأثرا
رَحِيماً
بهن إذ سترهن وبمن يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه قال البغوي : قال أنس : مرت بعمر جارية مقنعة فعلاها بالدرة وقال : يا لكاع أتتشبهين بالحرائر ألقي القناع ويظهر أن عمر إنما فعل ذلك خوفا من أن تلتبس الإماء بالحرائر فلا