تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
قُلْ
أي : لهم وأكد لظنهم نفع الفرار
لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ
في تأخير آجالكم في وقت من الأوقات الذي ما كان استئذانكم إلا بسببه
إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ
أي : الذي كتب لكم لأن الأجل إن كان قد حضر لم يتأخر بالفرار ، وإلا لم يقصره الثبات كما كان عليّ رضي الله تعالى عنه يقول : دهم الأمر وتوقد الجمر واشتد من الحرب الحر أي : يومي من الموت أفر يوم لا يقدر ، أو يوم قدر ، وذلك أن أجل الله الذي جعله محيطا بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلا
وَإِذاً
أي : إن فررتم
لا تُمَتَّعُونَ
في الدنيا بعد فراركم
إِلَّا قَلِيلًا
أي : مدة آجالكم وهي قليل فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئا كثيرا . ولما كان ربما يقولون بل ينفعنا لأنا طالما رأينا من هرب فسلم ومن ثبت فاصطلم ، أمره الله تعالى بالجواب عن هذا بقوله تعالى :
قُلْ
أي : لهم منكرا عليهم
مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ
أي : يجيركم ويمنعكم
مِنَ اللَّهِ
المحيط بكل شيء قدرة وعلما في حال الفرار وقبله وبعده
إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً
أي : هلاكا أو هزيمة فيرد ذلك عنكم
أَوْ
يصيبكم بسوء إن
أَرادَ
أي : الله
بِكُمْ رَحْمَةً
أي : خيرا أسماه بها لأنه أثرها ، والمعنى : هل احترزتم في جميع أعماركم عن سوء أراده فنفعكم الاحتراز أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه ، فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئا من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد على كشفه بدون إذنه ، ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك ذكر السوء أولا دليلا على حذف ضده ثانيا . وذكر الرحمة ثانيا دليلا على حذف ضدها أولا . وهذا بيان لقوله تعالى :
لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ
وقوله تعالى :
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ
أي : في وقت من الأوقات
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : غيره
وَلِيًّا
أي : يواليهم فينفعهم بنوع نفع
وَلا نَصِيراً
أي : ينصرهم من أمره فيرد ما أراده بهم من السوء عنهم تقرير لقوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ
من الله الآية . ولما أخبرهم تعالى بما علم مما أوقعوه من أسرارهم وأمره صلّى اللّه عليه وسلم بوعظهم ، حذرهم بدوام عمله بمن يخون منهم بقوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
الذي له إحاطة الجلال والجمال
الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ
أي : المثبطين عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهم المنافقون
وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ
أي : ساكني المدينة
هَلُمَّ
أي : ائتوا وأقبلوا
إِلَيْنا
موهمين أن ناحيتهم مما يقام فيها القتال ويواظب فيها على صالح الأعمال قال قتادة : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يثبطون أنصار رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ويقولون لإخوانهم ما محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحما لالتقمهم أبو سفيان وأصحابه ، دعوا الرجل فإنه هالك ، وقال مقاتل : نزلت في المنافقين وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين وقالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه ، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا ، فأنا أشفق عليكم ، أنتم إخواننا وجيراننا فهلم إلينا ، فأقبل عبد الله بن أبيّ وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا : ما ترجون من محمد ، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا هنا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا واحتسابا . تنبيه : هلم اسم صوت سمي به فعل متعد مثل احضر وقرب ، وأهل الحجاز يسوّون فيه بين الواحد والجماعة ، وبلغتهم جاء القرآن العزيز ، وأما بنو تميم فتقول : هلم يا رجل هلما يا رجلان هلموا يا رجال
وَلا
أي : والحال أنهم لا
يَأْتُونَ الْبَأْسَ
أي : الحرب أو مكانها
إِلَّا قَلِيلًا
أي : للرياء والسمعة بقدر ما يراهم المخلصون ، فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه