تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير ) — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
قال ابن عباس : لا تتكبروا عليّ ، وقيل لا تتعظموا ولا تترفعوا عليّ ، أي : لا تمتنعوا عن الإجابة فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
أي : منقادين خاضعين فهو من الاستسلام ، أو مؤمنين فهو من الإسلام ، فإن قيل : لم قدم سليمان اسمه على البسملة ؟ أجيب : بأنه لم يقع منه ذلك بل ابتدأ الكتاب بالبسملة وإنما كتب اسمه عنوانا بعد ختمه لأنّ بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود ، ولذلك قالت :
إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أي : إنّ الكتاب ، فالتقديم واقع في حكاية الحال ، واعلم أن قوله :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مشتمل على إثبات الصانع وإثبات كونه عالما قادرا حيا مريدا حكيما رحيما قال الطيبي : وقال القاضي : هذا كلام في غاية الوجازة مع إثبات كمال الصانع وإثبات كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الإله وصفاته صريحا أو التزاما ، والنهي عن الترفع الذي هو أمّ الرذائل ، والأمر بالإسلام الذي هو جامع لأمّهات الفضائل . ولما سكتوا عن الجواب .
قالَتْ
لهم
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ
ثم بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها
أَفْتُونِي
أي : تكرّموا عليّ بالإنابة عما أفعله
فِي أَمْرِي
هذا الذي أجيب به هذا الكتاب جعلت الشورى فتوى توسعا ، لأنّ الفتوى الجواب في الحادثة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة واوا ، والباقون بتحقيقها وفي الابتداء الجميع بالتحقيق . ثم عللت أمرها لهم بقولها
ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً
أي : فاعلته وفاصلته غير متردّدة فيه
حَتَّى تَشْهَدُونِ
أفادت بذلك أن شأنها دائما مشاورتهم في كل جليل وحقير فكيف بهذا الأمر الخطير ، وفي ذلك استعطافهم بتعظيمهم وإجلالهم وتكريمهم ودلالة على غزارة عقلها وحسن أدبها . ثم إنهم أجابوها عن ذلك بأن .
قالُوا
مائلين إلى الحرب
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ
أي : بالمال والرجال
وَأُولُوا
أي : أصحاب
بَأْسٍ
عزم في الحرب
شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ
أي : في كل من المصادمة والمسالمة راجع وموكول
إِلَيْكِ فَانْظُرِي
أي : بسبب أنه لا نزاع معك
ما ذا تَأْمُرِينَ
فإنا نطيعك ونتبع أمرك . ولما علمت أن من سخر له الطير على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده .
قالَتْ
جوابا لما أحست في جوابهم من ميلهم إلى الحرب والحرب سجال لا يدري عاقبتها
إِنَّ الْمُلُوكَ
أي : مطلقا فكيف بهذا النافذ الأمر ، العظيم القدر
إِذا دَخَلُوا
عنوة بالقهر
قَرْيَةً أَفْسَدُوها
أي : بالنهب والتخريب
وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
أي : أهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر ، ثم أكدت هذا المعنى بقولها
وَكَذلِكَ
أي : ومثل هذا الفعل العظيم الشأن
يَفْعَلُونَ
أي : هو خلق لهم مستمرّ في جميعهم فكيف بمن تطيعه الوحوش والطيور وغيرهما . تنبيه : هذه الجملة من كلامها وهو كما قال ابن عادل الظاهر ، ولهذا جبلت عليه فتكون منصوبة بالقول ، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى تصديقا لها فهي استئنافية لا محل لها من الإعراب ، وهي معترضة بين قولها . ولما بينت ما في المصادمة من الخطر أتبعته بما عزمت عليه من المسالمة بقولها :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ
أي : إلى سليمان وقومه
بِهَدِيَّةٍ
وهي العطية على طريق الملاطفة ، وذلك أن بلقيس كانت امرأة كيسة قد سيست وساست فقالت للملأ من قومها إني مرسلة إلى سليمان وقومه بهدية